تاكسي نيوز -ك/ك
لم يعد ممكنا التعامل مع الخرجات السياسية لفوزي لقجع باعتبارها مجرد ظهور انتخابي عابر، بعدما بدأت تتشكل حولها ملامح خطاب يستدعي مساءلة سياسية أكثر مما يستدعي التصفيق الانتخابي. فالرجل يدخل المشهد محملا برصيد رياضي جماهيري واضح، ومدعوما بصورة المسؤول الحكومي الذي ارتبط اسمه لسنوات بقطاع المالية، وهي عناصر تمنحه حضورا وتأثيرا لا يمكن إنكارهما. لكن المشكلة تبدأ عندما يجري الخلط بين الرصيد الجماهيري والرصيد السياسي. فالسياسة لا تمنح نقاطا إضافية لمجرد النجاح في مجال آخر، والانتقال من قيادة مؤسسة رياضية إلى واجهة حزبية لا يحول الشعبية تلقائيا إلى شرعية انتخابية. في كرة القدم يمكن للإنجاز أن يتحدث عن صاحبه، أما في السياسة فعلى صاحب الإنجاز أن يشرح مواقفه ويتحمل مسؤولياته ويقدم أجوبة قابلة للفحص. ومن هنا تبدو “قبعة الكرة” عاملا مساعدا في صناعة الحضور، لكنها لا تستطيع وحدها صناعة رجل سياسي. بل إن الرصيد الرياضي، كلما كان أكبر، جعل اختبار السياسة أشد صرامة، لأن الجمهور الذي اعتاد على النتائج سيجد نفسه هذه المرة أمام أسئلة لا تجيب عنها الأرقام ولا تحسمها الانتصارات.
والأكثر إثارة للانتباه أن الخطاب الانتخابي المعتمد لا يبدو، إلى حدود ما ظهر منه، مشغولا بإنتاج رؤية سياسية بقدر انشغاله بتفسير المسؤوليات وإعادة توزيعها. عبارات مثل “واش أنا لي جبت الخروف؟” أو القول إن “الميزانية مرصودة ولكن لم يشتغلوا” قد تبدو بسيطة ومباشرة، لكنها سياسيا تفتح أكثر مما تغلق. فإذا كانت هناك اختلالات في التنفيذ، فالمطلوب ليس فقط تحديد من لم يشتغل، وإنما تحديد من كان مسؤولا عن التتبع، ومن كان يملك سلطة التدخل، وما هي الإجراءات التي اتخذت في حينها. وإذا كانت الموارد العمومية قد رصدت ولم تتحقق النتائج المرجوة، فإن السؤال لا يمكن أن يتوقف عند الجهة المنفذة، لأن المسؤولية في التدبير العمومي تتوزع بحسب الاختصاصات وآليات الرقابة والتتبع. وهنا يصبح من حق الرأي العام أن يسأل: لماذا لم تتحول هذه الملاحظات إلى مساءلة واضحة في وقتها؟ ولماذا تظهر بهذه القوة عندما أصبح المتحدث في موقع سياسي مختلف؟ هذه ليست أسئلة اتهامية، ولا تفترض مسبقا ثبوت أي مخالفة، وإنما هي أسئلة مشروعة تفرضها طبيعة المسؤولية السياسية. فالمسؤول العمومي لا يكتسب حق توزيع المسؤولية على الآخرين إلا بقدر ما يكون مستعدا أيضا للكشف عن حدود مسؤوليته هو؛
وهنا تكمن النقطة الأكثر حساسية في المشهد: لقجع لم يأت إلى السياسة من خارج المنظومة الحكومية، بل راكم حضوره السياسي وهو جزء من أغلبية تولت تدبير الشأن العام خلال ولاية كاملة. ولذلك فإن أي خطاب انتخابي يقوم على تشخيص اختلالات تلك المرحلة سيكون، بحكم المنطق السياسي، مطالبا بوضع صاحبه داخل الصورة التي يرسمها. لا يكفي أن يقال إن الميزانية كانت موجودة وإن آخرين لم ينفذوا، لأن وجود الاعتماد المالي لا ينهي النقاش، بل يفتح سؤال الحكامة والتتبع والمسؤولية المؤسساتية. كما أن تغيير الانتماء أو الموقع السياسي لا يمحو تلقائيا آثار المواقع السابقة ولا يلغي حق الرأي العام في المقارنة بين المواقف قبل التحول وبعده. ومن غير المنصف أيضا إصدار أحكام مسبقة على أي مسؤول من دون وقائع مثبتة، لكن من غير المقبول في المقابل أن تتحول هذه القاعدة إلى حصانة من المساءلة. فالمساءلة ليست إدانة، والنقد ليس اتهاما، وطرح الأسئلة ليس تشهيرا. والسياسي الذي يطلب ثقة الناخبين عليه أن يقبل، بالقدر نفسه، حقهم في تفكيك خطابه ومراجعة مواقفه السابقة ومقارنة روايته الحالية بما كان عليه موقعه ومسؤوليته في الماضي. تلك هي أبسط قواعد العمل الديمقراطي، وهي التي تفصل بين الخطاب الانتخابي العابر والخطاب السياسي القابل للمحاسبة؛
وفي المحصلة، فإن “صفارة الإنذار” السياسية لا تعني إدانة لقجع، كما لا تعني التشكيك مسبقا في قدرته على النجاح، وإنما تعني أن الرصيد الرياضي والصفة الحكومية لم يعودا كافيين وحدهما لحسم المعركة السياسية. فالناخب ليس مدرجا، والمنافس السياسي ليس خصما رياضيا، والانتخابات ليست مباراة يمكن حسمها اعتمادا على سجل سابق. إنها امتحان مختلف تماما، عنوانه القدرة على الإقناع، ووضوح المواقف، واتساق الخطاب، وتحمل المسؤولية، والاستعداد للمساءلة. وإذا كان لقجع قد أثبت حضورا لافتا في كرة القدم، فإن السياسة ستطالبه بشيء آخر: أن يثبت أن النجاح في الملاعب لم يكن مجرد جواز عبور إلى السياسة، بل أن وراء تلك الشعبية قدرة سياسية حقيقية على تقديم مشروع وموقف ورؤية. أما إذا ظل الخطاب محصورا في تبرير الماضي وتحميل الآخرين كلفته السياسية، فإن “الجرار” قد ينجح في إحداث الضجيج، لكنه لن ينجح بالضرورة في إقناع الناخب. وبين صافرة الملعب وصفارة الإنذار السياسية، تبقى القاعدة الأكثر صرامة واضحة: في الرياضة قد تكفي النتيجة، أما في السياسة فالمطلوب تفسيرها، وتحمل مسؤوليتها، وإقناع من يملك القرار النهائي… الناخب.























