مولاي محمد الوافي
أثار الالتزام الذي أعلنه حزب الأصالة والمعاصرة ضمن برنامجه الانتخابي برسم استحقاقات 2026، والقاضي بإعفاء الأسر من أداء فواتير الكهرباء الشهرية التي تقل عن 100 درهم، نقاشا واسعا حول مدى قابلية هذا الوعد للتنفيذ، خصوصا من الناحية المالية والاقتصادية.
الحزب قدم برنامجه الانتخابي باعتباره يتضمن 20 التزاما قابلا للتطبيق والتتبع، وحدد الكلفة الإجمالية لبرنامجه في حوالي 350 مليار درهم على مدى خمس سنوات. كما أكد الحزب رسميا أن مجانية فواتير الكهرباء تدخل ضمن التزاماته الانتخابية.
لكن السؤال الذي يطرح نفسه هنا ليس فقط: هل يمكن إعفاء المواطن من أداء فاتورة تقل عن 100 درهم؟ وإنما: من سيدفع هذه الفاتورة في نهاية المطاف؟
فاتورة المواطن لا تختفي.. وإنما تنتقل إلى جهة أخرى
من الناحية الاقتصادية، إعفاء المستهلك من الأداء لا يعني اختفاء تكلفة الكهرباء. فالكهرباء يتم إنتاجها ونقلها وتوزيعها، ولها تكلفة حقيقية تتحملها مؤسسات ومنشآت اقتصادية.
وبالتالي، إذا كان المواطن سيحصل على كهرباء مجانية في حدود سقف معين، فإن التكلفة ستحتاج إلى أن تؤدى بطريقة أخرى: إما عبر تحويلات مباشرة من ميزانية الدولة، أو عبر آلية تعويض لفائدة الجهة المكلفة بالفوترة والتوزيع، أو عبر تحمل جزء من التكلفة داخل المنظومة العمومية. وهنا تبرز المفارقة الأساسية: الدولة لن تلغي تكلفة الكهرباء، وإنما ستعيد توزيع من يتحملها.
وتزداد أهمية هذا السؤال بالنظر إلى أن الدولة سبق أن خصصت مبالغ مهمة لدعم أسعار الطاقة، كما أن إصلاح منظومة الدعم يسير في اتجاه جعل الدعم أكثر استهدافا وترشيدا، بدل استمرار الدعم العام غير الموجه. ففي سنة 2024، مثلا، خصصت الدولة 16.36 مليار درهم لدعم أسعار غاز البوتان والسكر والدقيق الوطني من القمح اللين.
ماذا سيحدث مع المكتب الوطني للكهرباء او الشركة المتعددة التخصصات؟
المكتب الوطني للكهرباء والماء الصالح للشرب، أو الجهات المكلفة بالتوزيع، لا يمكنها ببساطة اعتبار الفواتير المعفاة إيرادات محققة. فإذا كان المواطن لن يؤدي فاتورته، فإن السؤال المحاسبي يصبح واضحا: من سيعوض الجهة التي قدمت الخدمة؟
وإذا اختارت الدولة تحمل الفارق، فإن الأمر سيتحول إلى نفقة عمومية جديدة، يتعين إدراجها في الميزانية وتحديد مواردها ومجالاتها وآلية صرفها.
وهذا لا يعني بالضرورة أن المقترح مستحيل تقنيا أو قانونيا؛ فالدولة تستطيع، من حيث المبدأ، إحداث آلية دعم أو تعويض. لكن الإشكال الحقيقي هو حجم التكلفة واستدامتها ومصدر تمويلها.
وحتى لا يتحول النقاش إلى مجرد شعارات انتخابية، يفترض في أي برنامج جدي أن يجيب بوضوح عن أربعة أسئلة: كم عدد الأسر المستفيدة؟ ما متوسط قيمة الفواتير المعفاة؟ ما الكلفة السنوية الإجمالية؟ ومن أين ستأتي الموارد المالية؟
مفارقة أخرى: الدولة تبحث عن ترشيد الدعم أم توسيعه؟
الجانب الأكثر إثارة للنقاش هو أن المغرب يسير منذ سنوات في مسار إصلاح منظومة الدعم، بهدف تخفيف العبء عن المالية العمومية وتوجيه المساعدة بصورة أكثر استهدافا.
وفي قطاع الكهرباء نفسه، توجد إصلاحات مرتبطة بالتعريفات واستعمال الشبكات وتطوير نموذج تسعيري يعكس بصورة أكبر التكاليف الحقيقية للمنظومة. وقد أقرت الهيئة الوطنية لضبط الكهرباء خلال 2026 تعريفة جديدة لاستعمال شبكات النقل والتوزيع، في سياق إصلاح قطاع الكهرباء.
كما أن وضعية المكتب الوطني للكهرباء ليست مسألة بسيطة يمكن تجاوزها بشعار انتخابي؛ فقد أشارت تحليلات اقتصادية إلى حجم الضغوط المالية التي واجهها المكتب، وإلى أن الحفاظ على أسعار الكهرباء في مستويات معينة تطلب دعما ماليا مهما.
وبالتالي، فإن الانتقال من سياسة ترشيد الدعم إلى وعد جديد بإعفاء ملايين الفواتير، يحتاج إلى تفسير اقتصادي ومالي مقنع.
تحليل اقتصادي أول: المشكلة في الاستدامة
من منظور المالية العمومية، المشكلة ليست في القدرة على تمويل سنة واحدة أو سنتين، وإنما في قدرة الدولة على تحمل الالتزام بشكل دائم.
فإذا كانت فاتورة أسرة معينة تبلغ 70 أو 80 أو 90 درهما، فإن إعفاءها من الأداء يبدو في الظاهر إجراء بسيطا ومحدود التكلفة بالنسبة للأسرة.
لكن عندما يتحول الأمر إلى سياسة وطنية تشمل عددا كبيرا من الأسر، فإن 50 أو 80 أو 100 درهم شهريا تتحول إلى مليارات الدراهم سنويا.
وهنا تظهر قاعدة اقتصادية بسيطة: كل التزام اجتماعي دائم يحتاج إلى مورد مالي دائم.
فلا يمكن تمويل نفقات اجتماعية متكررة بمداخيل استثنائية أو مؤقتة، لأن ذلك قد يخلق ضغطا متزايدا على الميزانية، خصوصا إذا ارتفعت أسعار الطاقة أو زاد الاستهلاك أو توسعت قاعدة المستفيدين.
تحليل اقتصادي ثان: خطر “عتبة الـ100 درهم”
هناك أيضا إشكال مرتبط بطريقة تصميم هذا الإعفاء. فإذا كان الشرط هو أن تكون الفاتورة أقل من 100 درهم حتى يستفيد صاحبها من المجانية، فقد تظهر مشكلة ما يسمى اقتصاديا أثر العتبة.
فما الفرق مثلا بين أسرة فاتورتها 99 درهما وأسرة فاتورتها 101 درهم؟ إذا كانت الأولى لن تدفع شيئا، بينما الثانية ستؤدي كامل فاتورتها، فإن درهمين فقط يمكن أن يصنعا فرقا كبيرا في العبء المالي.
وهذا قد يخلق حوافز غير مرغوبة للتحايل على الاستهلاك أو تقسيم العدادات أو تغيير أنماط الاستهلاك بهدف البقاء تحت سقف الاستفادة.
والحل الاقتصادي الأكثر نجاعة عادة يكون في دعم تدريجي وموجه، وليس بالضرورة إعفاء كاملا مرتبطا بعتبة حادة.
هل يستفيد الفقير أكثر من الغني؟
السؤال الآخر الذي يستحق النقاش هو: هل كل من تقل فاتورته عن 100 درهم يحتاج فعلا إلى الدعم بالدرجة نفسها؟
قد تكون أسرة فقيرة ذات استهلاك محدود، وقد يكون منزل آخر قليل الاستهلاك لكنه يعود إلى أسرة ذات دخل مرتفع.وبالتالي فإن ربط الدعم فقط بقيمة فاتورة الكهرباء لا يعني بالضرورة استهداف الأسر الأكثر هشاشة. ومن منظور السياسات الاجتماعية، قد يكون من الأكثر كفاءة توجيه الدعم بناء على الدخل والوضعية الاجتماعية والاستهلاك، بدل اعتماد فاتورة الكهرباء وحدها كمؤشر على الاستحقاق.
بين الجاذبية الانتخابية والاختبار الاقتصادي
لا شك أن وعد إعفاء المواطن من أداء فاتورة الكهرباء التي تقل عن 100 درهم شهريا يحمل جاذبية انتخابية كبيرة، خصوصا في ظل ارتفاع تكاليف المعيشة والضغط الذي تواجهه الأسر. لكن البرامج الانتخابية لا تقاس فقط بجاذبية وعودها، وإنما أيضا بقدرتها على تقديم أجوبة عن الكلفة ومصدر التمويل وآلية التنفيذ والآثار الجانبية. والمغاربة من حقهم أن يعرفوا، قبل التصويت، ليس فقط ماذا سيحصلون عليه، ولكن أيضا من سيدفع ثمن هذه الوعود؟
فإذا كانت الدولة هي التي ستتحمل التكلفة، فإن الأمر يعني إضافة نفقة جديدة إلى الميزانية.
وإذا كان المكتب الوطني للكهرباء أو شركات التوزيع ستتحملها، فإن السؤال يصبح: هل ستتوفر لها موارد لتعويض هذه الخسارة؟ وإذا لم تتوفر، فمن سيدفع في النهاية؟ أما إذا كان المقترح سيعتمد على إعادة توزيع الدعم داخل منظومة الكهرباء، فعلى الحزب أن يوضح بالتفصيل من أين سيأتي التمويل وما هي الإصلاحات المصاحبة.
ومن خلال ما سبق يتبين أن المشكل ليس في أن يقدم حزب سياسي وعدا اجتماعيا طموحا، بل في أن يتحول الوعد إلى التزام قابل للحساب والقياس والتنفيذ. فالكهرباء ليست سلعة مجانية حتى عندما تكون الفاتورة مجانية، والتكلفة لا تختفي بمجرد إعفاء المواطن منها.
لذلك، فإن السؤال الاقتصادي المشروع الذي ينبغي أن يرافق هذا الالتزام الانتخابي هو: كم ستكلف مجانية فواتير الكهرباء سنويا؟ ومن سيمولها؟ وكيف ستنسجم مع سياسة الدولة الرامية إلى ترشيد الدعم وتقليص أعباء الأسعار على المالية العمومية؟
وإلى أن تقدم إجابات دقيقة عن هذه الأسئلة، سيظل المقترح قابلا للنقاش السياسي والانتخابي، لكنه يحتاج إلى تفصيل اقتصادي ومالي أكبر حتى يتحول من وعد انتخابي جذاب إلى سياسة عمومية مستدامة وقابلة للتنفيذ…























