يطرح البرنامج الانتخابي لحزب الأصالة والمعاصرة سؤالا يتجاوز مضمون الوعود إلى جدية الالتزام بها، خصوصا في ظل استمرار الضغوط الاجتماعية والاقتصادية وارتفاع كلفة المعيشة. فالمواطن لا يحتاج إلى خطاب انتخابي جديد بقدر حاجته إلى برنامج قابل للتنفيذ، محدد الأهداف والآجال والوسائل، وقابل للتقييم والمساءلة. ومن هنا يبرز التساؤل الجوهري: هل يتعلق الأمر ببرنامج عملي يستند إلى آليات واضحة لتنفيذ ما يقدمه من تعهدات، أم بمجرد وعود انتخابية قد تنتهي مفاعيلها بانتهاء الاستحقاق الانتخابي؟ فالمعيار الحقيقي لأي برنامج سياسي لا يكمن في قوة شعاراته، وإنما في قدرته على الانتقال من الوثيقة الانتخابية إلى قرارات ملموسة يشعر المواطن بأثرها المباشر.
وتزداد إشكالية المصداقية حدة عندما يستحضر الناخب حصيلة الولاية السابقة، وما رافقها من وعود لم تتحول جميعها إلى نتائج تستجيب لحجم الانتظارات الاجتماعية. فكيف يمكن إقناع المواطن مجددا بوعود انتخابية صدرت عن أحزاب شاركت في تدبير المرحلة السابقة، بينما ما زالت ملفات القدرة الشرائية والأسعار والخدمات العمومية حاضرة بقوة في النقاش العام؟ ولا يتعلق الأمر هنا برفض مبدئي للبرامج السياسية، بل بضرورة إخضاعها لمنطق المحاسبة السياسية وربط الخطاب الانتخابي بالنتائج الفعلية. فالثقة لا تستعاد عبر تجديد الوعود، وإنما عبر تقديم حصيلة واضحة، والاعتراف بمواطن الخلل، وتحديد المسؤوليات، ثم عرض التزامات قابلة للقياس يمكن للمواطن متابعتها ومساءلة أصحابها بشأنها؛
كما يفرض موقع حزب الأصالة والمعاصرة ضمن الأغلبية الحكومية سؤالا سياسيا لا يمكن تجاهله: كيف يقدم الحزب برنامجا لمعالجة الغلاء والضغوط المعيشية، وهو جزء من الأغلبية التي تولت مسؤولية تدبير السياسات العمومية خلال المرحلة التي تفاقمت فيها هذه التحديات؟ لا يعني ذلك تحميل الحزب وحده مسؤولية وضع اقتصادي معقد تتداخل فيه عوامل داخلية وخارجية، لكنه يجعل تقييم برنامجه المقبل مرتبطا بالضرورة بما تحقق وما لم يتحقق خلال مشاركته الحكومية. ولذلك فإن الضمانة الحقيقية لتنفيذ الوعود لا ينبغي أن تبقى في حدود الالتزام السياسي، بل تتطلب أهدافا دقيقة، وآجالا معلنة، ومؤشرات لقياس النتائج، وآليات للمساءلة. فالمواطن اليوم لا يبحث عن وعود أكثر، بل عن ضمانات أقوى ونتائج يمكن التحقق منها.























