تاكسي نيوز
أعادت التسجيلات الصوتية المنسوبة إلى رئيس مجلس النواب والقيادي في حزب التجمع الوطني للأحرار، رشيد الطالبي العلمي، بشأن فوزي لقجع، النقاش حول طبيعة الخطاب السياسي المتداول داخل دوائر صناعة القرار في المغرب، خصوصا عندما ينتقل الخلاف من مستوى البرامج والسياسات العمومية إلى مستوى الأشخاص وموازين النفوذ ومواقع المسؤولية. وبصرف النظر عن صحة التسجيلات من عدمها، وعن سياقها الكامل والجهة التي قامت بتسريبها، فإن مضمونها المتداول، إذا ثبتت نسبته إلى صاحبه، يثير إشكالات سياسية وأخلاقية جدية بشأن حدود الخطاب الذي يفترض أن يصدر عن مسؤول عمومي وشخصية حزبية وازنة. فالمسألة لا تتعلق بمجرد عبارات قيلت في سياق خاص، وإنما بما قد تكشفه تلك العبارات عن تصور للعلاقات داخل المجال السياسي، وعن طبيعة الصراعات المرتبطة بتوزيع مواقع النفوذ والمسؤولية.
ومن منظور مؤسساتي، يظل من الضروري التمييز بين الوقائع المثبتة وبين التأويلات السياسية التي قد تبنى عليها، تفاديا لتحويل تسجيل غير مكتمل السياق إلى حكم نهائي على الحياة السياسية برمتها؛
وتزداد حساسية القضية عندما ترتبط بصورة الانتخابات والثقة في المؤسسات. فالديمقراطية لا تقاس فقط بوجود صناديق الاقتراع أو بإجراء الانتخابات في مواعيدها، وإنما كذلك بدرجة الثقة التي يشعر بها المواطن في نزاهة العملية الانتخابية، وفي تكافؤ الفرص بين المتنافسين، وفي استقلال المؤسسات المكلفة بالإشراف عليها، وفي قدرة القانون على حماية الإرادة الشعبية لا على تقييد النقاش المشروع حولها. لذلك فإن أي توجه تشريعي أو سياسي يجرم التشكيك غير المشروع في نزاهة الانتخابات يجب أن يوازن بدقة بين حماية العملية الانتخابية من الادعاءات الكاذبة والممارسات التي قد تقوض الثقة العامة، وبين ضمان الحق في النقد والتساؤل والتحقيق الصحفي والنقاش السياسي، وهي ضمانات لا تستقيم الحياة الديمقراطية من دونها. فالثقة في الانتخابات لا يمكن أن تفرض بالنصوص الزجرية وحدها، بل تبنى أساسا بالشفافية، ووضوح القواعد، وقابلية المؤسسات للمساءلة، وتقديم أجوبة مقنعة عن كل ما يثير شبهة أو تضارب مصالح؛
وفي المقابل، لا يمكن إغفال فرضية أخرى تتداولها بعض الأوساط، ومفادها أن تسريب التسجيل أو الفيديو قد يكون جزءا من صراع سياسي أو محاولة لصناعة انطباع بوجود تنافس حقيقي داخل مراكز القرار، بما قد يخدم، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، سردية مفادها أن الاستحقاقات الانتخابية مفتوحة وأن موازين القوى غير محسومة سلفا. غير أن هذه الفرضية، مهما بدت متداولة أو جذابة، تظل بحاجة إلى أدلة قابلة للتحقق، ولا يجوز تحويلها إلى حقيقة سياسية من دون قرائن موثوقة. وفي جميع الأحوال، فإن جوهر الإشكال يتجاوز التسجيل ذاته: المواطن المغربي يحتاج إلى خطاب سياسي يشرح البرامج والخيارات الاقتصادية والاجتماعية، ويقدم الحساب السياسي للمسؤولين على أساس النتائج لا على أساس مواقع النفوذ، ويقنعه بأن الانتخابات وسيلة حقيقية لتغيير السياسات لا مجرد آلية لإعادة توزيع مراكز السلطة.
أما تحويل النقاش العمومي إلى صراع حول الأشخاص والمناصب والتسريبات، ثم مطالبة المواطنين بالمشاركة والثقة، فلن يكون كافيا وحده لسد فجوة الثقة. فالشرعية الانتخابية لا تستمد قوتها من الدعوة إلى المشاركة فقط، وإنما من اقتناع الناخب بأن صوته مؤثر، وأن قواعد اللعبة معلنة وعادلة، وأن المؤسسات التي تخرج من صناديق الاقتراع خاضعة للمساءلة والمحاسبة.























