تاكسي نيوز-سوق السبت
أعادت الجريمة الدموية التي شهدها حي الرواجح بمدينة سوق السبت، مساء الخميس، النقاش حول الوضع الأمني بالمدينة إلى الواجهة، بعدما انتهت واقعة عنيفة بمقتل شخص وإصابة ثلاثة آخرين بجروح متفاوتة الخطورة، في حادثة وقعت وسط حي سكني وعلى قارعة الطريق، وهو ما يطرح من جديد أسئلة جدية حول فعالية المراقبة الأمنية والانتشار الميداني في عدد من النقط التي توصف بأنها حساسة وتحتاج إلى حضور أمني منتظم؛
وبحسب المعطيات المتداولة بشأن الواقعة، فإن مشادات سبقت الجريمة ، قبل أن تتطور إلى مواجهة انتهت بهذه الحصيلة المأساوية. كما يتم تداول معطيات حول وجود أطراف في حالة سكر واستهلاك للكحول في مكان قريب من مسرح الجريمة، وهي معطيات تبقى، بطبيعة الحال، خاضعة لما ستكشف عنه الأبحاث القضائية الجارية تحت إشراف النيابة العامة المختصة؛
غير أن مكان وقوع الجريمة وتوقيتها يفرضان نقاشا يتجاوز تفاصيل الواقعة الجنائية نفسها، فأن تقع جريمة قتل وسط حي مأهول بالسكان وعلى قارعة الطريق، وليس في فضاء معزول أو بعيد عن الحركة، يجعل مسألة الأمن الوقائي والحضور الميداني أمرا مشروعا للنقاش والتقييم، من دون أن يعني ذلك تحميل أي جهة مسؤولية جنائية قبل انتهاء التحقيق وتحديد المسؤوليات وفق القانون؛
فالمطلوب اليوم هو معرفة ما إذا كانت بعض الأحياء والنقط التي تعرف تجمعات ليلية ومظاهر مرتبطة، بحسب إفادات متداولة، باستهلاك الكحول والمخدرات والمشادات، تحظى بما يكفي من الدوريات والمراقبة الوقائية، خصوصا خلال الفترات التي ترتفع فيها مؤشرات المخاطر، ذلك أن العمل الأمني لا يقتصر على التدخل بعد وقوع الجريمة، وإنما يقوم أساسا على الاستباق ورصد المؤشرات التي قد تقود إلى أعمال عنف تهدد سلامة الأشخاص والممتلكات؛
وفي هذا السياق، لا يمكن تجاهل المجهودات التي تبذلها المصالح الأمنية بسوق السبت، ولا سيما في مجال مكافحة المخدرات والمؤثرات العقلية، حيث شهدت فترات مختلفة توقيف عدد من المشتبه فيهم في قضايا تتعلق بالاستهلاك والترويج، بما فيها مواد مصنفة ضمن المخدرات الخطيرة. وهي تدخلات تؤكد وجود عمل أمني قائم، لكنها تطرح في الوقت نفسه سؤالا حول مدى كفاية الإمكانيات البشرية والتنظيمية المتوفرة لمواجهة ظاهرة تحتاج إلى نفس طويل وعمل ميداني مستمر؛
وهنا تحديدا تبرز أهمية تعزيز الفرقة المحلية للشرطة القضائية بسوق السبت بكفاءات أمنية جديدة و متمرسة، خصوصا على مستوى مواقع المسؤولية والتأطير، بما يضمن تطوير أساليب البحث والتحري، وتقوية العمل الاستباقي، وتحسين القدرة على جمع المعلومة الأمنية وتتبع مسارات الترويج وتحديد بؤر النشاط الإجرامي؛
ولا يتعلق الأمر بأي حكم مسبق على أداء المسؤولين أو العناصر العاملة حاليا، وإنما بمطلب يرتبط بمنطق التدبير الأمني الحديث، الذي يقتضي ضخ الخبرات والكفاءات متى أظهر التقييم الميداني أن حجم الملفات والتحديات يتطلب موارد بشرية إضافية وتجربة أكثر تخصصا؛ فالشرطة القضائية، بحكم طبيعة مهامها، تحتاج إلى تأطير قوي والعدد وكفاءات قادرة على التعامل مع الملفات المرتبطة بالمخدرات والعنف والجريمة المنظمة، مع احترام كامل للمساطر القانونية وتحت إشراف النيابة العامة؛
كما أن تعزيز الشرطة القضائية لا يمكن أن ينفصل عن ضرورة تقوية الدوريات الأمنية، خصوصا في الأحياء التي تعرف نقطا حساسة، ووضع تصور ميداني واضح يحدد هذه النقط وأوقات ارتفاع المخاطر بها، بما يسمح بتوجيه الموارد الأمنية وفق معطيات واقعية وليس وفق ردود فعل مرتبطة فقط بوقوع الحوادث!
فالمراقبة الأمنية المنتظمة ليست ترفا، ولا ينبغي أن تتحول إلى إجراء ظرفي عقب كل جريمة، وإذا كانت بعض الأحياء تعرف بشكل متكرر تجمعات ومشادات أو مظاهر مرتبطة باستهلاك المخدرات والكحول، فإن المقاربة الوقائية تقتضي الحضور الميداني المستمر والتدخل القانوني في الوقت المناسب، بما يمنع تطور المخالفات والسلوكيات الخطرة إلى اعتداءات وجرائم أكثر خطورة؛
ومن هذا المنطلق، فإن جريمة حي الرواجح ينبغي أن تكون مناسبة لإجراء تقييم شامل للوضع الأمني بمدينة سوق السبت، ليس بهدف توزيع الاتهامات، وإنما بهدف تحديد مكامن الخلل المحتملة، وقياس مدى ملاءمة الموارد البشرية المتوفرة مع حجم المهام، ودراسة حاجيات المصالح الأمنية، وفي مقدمتها الشرطة القضائية، من حيث الكفاءات والتأطير والوسائل؛
فالمواطن لا ينتظر فقط معرفة من سيحاسب قضائيا على الجريمة، وهو أمر موكول إلى الجهات المختصة، وإنما ينتظر أيضا أن تكون هناك إجابة مؤسساتية عن سؤال الوقاية: كيف يمكن منع تكرار مثل هذه الوقائع، وكيف يمكن ضمان أن تظل الأحياء السكنية والفضاءات العمومية تحت مراقبة أمنية فعالة ومنتظمة؟
إن حماية الأمن العام مسؤولية مؤسساتية متكاملة، والنجاعة الأمنية لا تقاس فقط بعدد التوقيفات المسجلة بعد وقوع الأفعال، بل أيضا بقدرة المصالح المختصة على منع الخطر قبل وقوعه، ومن هنا، فإن تعزيز قيادة الفرقة المحلية للشرطة القضائية بكفاءات أمنية متمرسة، إلى جانب تقوية الدوريات والحضور الميداني في النقط الحساسة، قد يشكلان مدخلا ضروريا لإعادة ترتيب الأولويات الأمنية بالمدينة؛
جريمة الرواجح ليست مجرد واقعة جنائية يجب أن تنتهي بانتهاء البحث القضائي، بل جرس إنذار يستوجب التقاطه مؤسساتيا، عبر تقييم واقعي وهادئ للوضع الأمني، وتشخيص مكامن الخلل، وتعزيز الموارد والكفاءات، حتى لا تتحول النقط السوداء إلى فضاءات دائمة للخطر، وحتى يستعيد المواطن ثقته في قدرة المنظومة الأمنية على الوقاية والاستباق وحماية المجال العام.























