بين زخم المهرجانات وخطابات بن كيران واختبار الصناديق: أي دلالة للحضور الانتخابي للعدالة والتنمية؟

هيئة التحرير22 سبتمبر 2026
بين زخم المهرجانات وخطابات بن كيران واختبار الصناديق: أي دلالة للحضور الانتخابي للعدالة والتنمية؟

تاكسي نيوز -ك/ك

 

تكشف الحملة الانتخابية لحزب العدالة والتنمية، في أيامها الأخيرة قبل اقتراع 23 شتنبر، عن عودة واضحة لمنطق التعبئة الجماهيرية إلى واجهة المشهد السياسي، خصوصا من خلال المهرجانات التي يؤطرها الأمين العام عبد الإله بنكيران. وقد شكل مهرجان أكادير والقنيطرة، إلى جانب محطات أخرى، صورة لافتة من حيث الحضور والتنظيم والتفاعل، وهو ما يمكن اعتباره مؤشرا على قدرة الحزب على تعبئة جزء من قاعدته السياسية واستعادة قدر من الحضور الميداني. غير أن القراءة القانونية والسياسية الدقيقة تقتضي عدم مساواة الحشد الانتخابي بالتصويت الفعلي، لأن المهرجان يجمع في الأساس مواطنين اختاروا الحضور والتفاعل، بينما يظل الاقتراع شاملا لهيئة ناخبة أوسع لا يمكن استقراء سلوكها بالكامل من الفضاءات الجماهيرية.

وتزداد أهمية هذا التمييز بالنظر إلى أن الانتخابات التشريعية لا تحسمها القوة الرمزية للخطاب ولا حجم التجمعات وحدهما، وإنما تحسمها الأصوات الصحيحة المصرح بها وفق القواعد القانونية المنظمة للاقتراع وتوزيع المقاعد. كما أن قدرة أي حزب على تحويل الحضور في المهرجانات إلى أصوات يوم الاقتراع تتوقف على عوامل متعددة، من بينها درجة الانضباط التنظيمي، والانتشار المحلي للمرشحين، وقوة اللوائح في الدوائر، ونسبة مشاركة الناخبين، وطبيعة المنافسة داخل كل دائرة. ومن ثم فإن كثافة الحضور في أكادير أو غيرها تصلح قرينة على التعبئة، لكنها لا تكفي قانونيا أو منهجيا لاستنتاج عدد المقاعد التي سيحصل عليها الحزب.

وتقدم تصريحات بنكيران خلال الأيام الأخيرة صورة واضحة عن استراتيجية انتخابية تقوم على رفع منسوب المشاركة واستعادة الثقة في الحزب وتحويل الاقتراع إلى مناسبة للمحاسبة السياسية؛ فقد دعا الناخبين مرارا إلى المشاركة في 23 شتنبر، كما أكد في أكادير رغبة الحزب في احتلال المرتبة الأولى. وهذه المعطيات تثبت وجود تعبئة سياسية قوية داخل الحزب، لكنها تظل في نطاق الخطاب الانتخابي الذي ينبغي فصله عن النتيجة الموضوعية التي ستفرزها صناديق الاقتراع. كما أن البرنامج الانتخابي للحزب يتضمن محاور وإجراءات متعددة، بما يجعل تقييم حضوره الانتخابي مرتبطا كذلك بمدى وصول هذه الرسائل إلى الناخبين خارج دوائر المنتسبين والمتعاطفين المباشرين.

أما فرضية أن المشاركة المكثفة قد تخدم العدالة والتنمية، فهي تحتاج بدورها إلى قدر من التحفظ المنهجي؛ فارتفاع نسبة التصويت لا يعمل آليا لصالح حزب بعينه، وإنما تتحدد آثاره بحسب من يشارك، ومواقع قوته الانتخابية، وقدرته على تحويل التأييد الكامن إلى أصوات فعلية. لذلك يمكن أن تكون المشاركة المرتفعة عاملا مساعدا للحزب إذا اقترنت بتعبئة فعالة لناخبيه، لكنها قد تعيد في الوقت نفسه توزيع موازين القوة بين مختلف المتنافسين. ولا تتوافر، عشية الاقتراع، معطيات علنية موثوقة تسمح بتحويل مشاهد المهرجانات إلى تقدير رقمي لمقاعد الحزب أو الجزم بوجوده ضمن مراتب محددة؛ وأي استنتاج من هذا النوع سيكون أقرب إلى التوقع منه إلى التحليل الانتخابي الموثق.

وفي المحصلة، فإن القيمة السياسية لمهرجانات بنكيران لا تكمن في كونها أداة للتنبؤ بنتيجة 23 شتنبر بقدر ما تكمن في كونها تكشف عن مستوى التعبئة والقدرة التنظيمية والحضور الخطابي الذي استطاع الحزب إظهاره في نهاية الحملة. أما الاختبار الحاسم فسيبدأ مع فتح صناديق الاقتراع، حيث ستنتقل المنافسة من قوة الصورة الجماهيرية إلى قوة الصوت المحتسب قانونا. وبين المؤشر الميداني والنتيجة الرسمية تبقى مساحة واسعة من المتغيرات، ولذلك فإن الحكم الموضوعي على موقع العدالة والتنمية في الخريطة البرلمانية المقبلة لا يمكن أن يستند إلى حجم المهرجانات وحده، بل إلى ما ستفرزه صناديق الاقتراع من أصوات صحيحة ومقاعد وفق النتائج الرسمية المعلنة.

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

الاخبار العاجلة