تاكسي نيوز
يصعب النظر إلى ما شهدته مدينة سبتة المحتلة خلال الأيام الأخيرة باعتباره مجرد حادث حدودي أو موجة عابرة من محاولات الهجرة غير النظامية، فحجم الإقبال على المجازفة، وتنوع الفئات التي شاركت فيها، يفرضان قراءة تتجاوز التفسير الأمني المباشر نحو فهم أوسع للظروف التي أنتجت هذا المشهد، فالأحداث الكبرى لا تصنعها لحظة واحدة، وإنما تكون في الغالب نتيجة تراكمات اقتصادية واجتماعية ونفسية تمتد على سنوات؛
ولا شك أن التطورات القانونية والسياسية في الضفة الأخرى من المتوسط تظل جزءا من المشهد، فقد ربطت تحليلات عديدة بين ما جرى وبين القرار الأخير للمحكمة العليا الإسبانية المتعلق بعدم جواز تطبيق الإرجاع الفوري على المهاجرين الذين يصلون سباحة إلى سبتة ومليلية، باعتبار أن مثل هذه التطورات قد تؤثر في تصورات بعض الراغبين في الهجرة بشأن فرص الوصول أو البقاء، غير أن اختزال ما وقع في هذا العامل وحده يبقى تبسيطا لظاهرة أكثر تعقيدا، لأن القرارات القضائية قد تؤثر في توقيت الهجرة أو مساراتها، لكنها لا تفسر وحدها استعداد آلاف الأشخاص للمخاطرة بحياتهم؛
فالهجرة، في جوهرها، ليست استجابة لحدث معزول، بل تعبير عن ميزان معقد بين ما يعتقد الفرد أنه قد يخسره إذا بقي، وما يأمل في تحقيقه إذا غادر، وعندما يميل هذا الميزان لصالح المغادرة، رغم المخاطر المعروفة، فإن السؤال الحقيقي لا يتعلق بالحدود بقدر ما يتعلق بالأفق الذي يراه الشباب داخل مجتمعه؛
لقد حقق المغرب خلال العقدين الأخيرين تحولات اقتصادية وبنيوية لا يمكن إنكارها، سواء من خلال تطوير البنيات التحتية، أو جذب الاستثمارات، أو إطلاق إصلاحات اجتماعية ومؤسساتية مهمة، غير أن التجارب المقارنة تؤكد أن نجاح السياسات الاقتصادية لا يقاس فقط بحجم الاستثمارات أو معدلات النمو، وإنما أيضا بمدى انعكاسها على الإحساس العام بالإنصاف، وإمكانية الارتقاء الاجتماعي، وتكافؤ الفرص بين المواطنين والجهات،
وهنا تبرز إحدى الإشكاليات الأساسية، فالمؤشرات الاقتصادية الكلية قد تعكس مسارا إيجابيا، بينما يستمر جزء من المجتمع في الشعور بأن فرص تحسين أوضاعه تظل محدودة، ولا يتعلق الأمر فقط بمستوى الدخل، بل أيضا بجودة التعليم، وإمكانية الولوج إلى سوق الشغل، وسهولة المبادرة الاقتصادية، والثقة في أن الكفاءة والعمل يشكلان الطريق الطبيعي لتحقيق التقدم؛
وفي الوقت نفسه، يصعب إعفاء الشركاء الأوروبيين من جانب من المسؤولية في إدارة هذه الظاهرة، فمنذ سنوات، تركز السياسات الأوروبية بدرجة كبيرة على ضبط الحدود وتعزيز المراقبة والتنسيق الأمني، وهي إجراءات قد تحد من بعض محاولات العبور، لكنها لا تعالج البيئة التي تدفع إليها، وقد أثبتت تجارب عديدة أن التنمية والاستثمار وخلق فرص العمل تظل أدوات أكثر استدامة في الحد من الهجرة غير النظامية من أي مقاربة أمنية منفردة؛
وليس من قبيل المصادفة أن تكون أوروبا نفسها قد بنت جزءا من استقرارها الاقتصادي على سياسات طويلة الأمد لتقليص الفوارق بين الأقاليم والدول الأعضاء، ومن ثم، فإن أي شراكة متوسطية تستهدف الاستقرار لا يمكن أن تقتصر على إدارة تدفقات الهجرة، بل تحتاج إلى رؤية تقوم على الاستثمار المشترك، ونقل التكنولوجيا، ودعم الاقتصاد المنتج، بما يخلق مصالح متبادلة تتجاوز الاعتبارات الأمنية الآنية؛
وفي الداخل، يبقى الرهان الأكبر هو تعزيز الثقة، فالمجتمعات لا تقاس فقط بما تنتجه من ثروة، وإنما أيضا بطريقة توزيع الفرص داخلها، وعندما يشعر المواطن بأن فرص النجاح أصبحت رهينة الانتماء إلى دوائر محدودة من النفوذ أو رأس المال، تتراجع قناعة تكافؤ الفرص، ويضعف الإيمان بجدوى الجهد الفردي، أما إذا كانت المنافسة مفتوحة، والمؤسسات قادرة على ضمان الشفافية والعدالة، فإن التنمية تتحول إلى مشروع جماعي يشعر الجميع بأنهم جزء منه؛
ومن هذا المنطلق، فإن النقاش الذي فرضته أحداث سبتة ينبغي ألا ينحصر في البحث عن المسؤول عن ما جرى، أو في تتبع تفاصيل اللحظة الأمنية، بل يجب أن يمتد إلى تقييم قدرة النموذج التنموي على إنتاج الفرص، وتقليص الفوارق، وتعزيز الحركية الاجتماعية، فالمؤشرات الاقتصادية تكتسب معناها الحقيقي عندما تنعكس على حياة المواطنين، لا عندما تبقى أرقاما في التقارير؛
لقد أثارت الأحداث الأخيرة أسئلة تتجاوز الهجرة نفسها، لأنها أعادت إلى الواجهة قضية الثقة في المستقبل، وإذا كان من الطبيعي أن تستمر الهجرة باعتبارها ظاهرة إنسانية عرفتها كل المجتمعات عبر التاريخ، فإن تحولها إلى طموح جماعي لدى آلاف الشباب يستدعي وقفة تتجاوز المعالجة الظرفية، فالدول لا تقاس فقط بقدرتها على حماية حدودها، وإنما أيضا بقدرتها على إقناع مواطنيها بأن المستقبل الذي يبحثون عنه يمكن أن يجدوه داخل أوطانهم، لا على الضفة الأخرى من البحر.























