تاكسي نيوز – ك/ك
لم تكن مباراة تحديد المركز الثالث سوى الفصل الأخير في بطولة أرادها المنتخب الفرنسي طريقا نحو المجد، فإذا بها تتحول إلى مسرح لوداع ثقيل لحقبة امتدت سنوات طويلة، مواجهة انتهت بنتيجة كبيرة، لكنها لم تغير شيئا في سجل الأبطال، ولم تضف سوى مزيد من الأسئلة إلى منتخب دخل كأس العالم مرشحا فوق العادة لإنهاء المنافسة وهو يحمل الكأس، فإذا به يغادرها مكتفيا بالمركز الرابع، في حصيلة لا تنسجم مع حجم الطموحات ولا مع قيمة الأسماء التي يزخر بها؛
بدت مباراة الترتيب وكأنها مجرد إجراء لإسدال الستار على البطولة، لقاء افتقد حرارة المباريات الكبرى، وغابت عنه الروح التي تصنع ذاكرة كأس العالم، حتى بدا وكأنه فرض على المنتخبين أكثر مما كان استحقاقا ينتظره أحد، وعلى الرغم من غزارة الأهداف والإثارة الرقمية، فإنها كانت مباراة بلا مكاسب حقيقية، لأن التاريخ لا يحتفظ كثيرا بمن اعتلى منصة المركز الثالث، بينما يخلد فقط من رفع الكأس أو سقط وهو يقاتل من أجلها؛
دخل المنتخب الفرنسي البطولة محاطا بهالة كبيرة من الثقة، حتى إن كثيرا من التوقعات كانت تمنحه اللقب قبل انطلاق المنافسات، استنادا إلى كوكبة من النجوم وخبرة متراكمة وشخصية اعتادت الذهاب بعيدا في البطولات الكبرى، غير أن كرة القدم لا تعترف بقوائم الأسماء ولا بقيمة العقود، بل تمنح الأفضلية لمن يثبت جدارته داخل المستطيل الأخضر، وهناك فقط سقطت جميع الحسابات المسبقة؛
والمفارقة الساخرة أن المنتخب الذي كان يوصف قبل أسابيع بأنه الأكثر اكتمالا، أنهى مشواره وهو يقدم درسا قاسيا مفاده أن كثرة النجوم لا تصنع فريقا بطلا بالضرورة. ففي كرة القدم، لا تمنح الألقاب وفقا لعدد اللاعبين الذين تتصدر صورهم أغلفة المجلات، ولا وفقا لحجم الضجيج الإعلامي، بل لمن يملك الانضباط والقدرة على تحويل الموهبة إلى نتائج عندما تبلغ المنافسة ذروتها؛
ولم تكن الهزيمة في مباراة الترتيب مجرد خسارة جديدة، بل مثلت إسدال الستار على حقبة كاملة، نهاية جاءت بعيدة كل البعد عن الصورة التي كان يتمناها المدرب ديديي ديشامب الذي قاد المنتخب لسنوات، ونجح خلالها في إعادة فرنسا إلى الصف الأول عالميا وصناعة جيل نافس باستمرار على الألقاب الكبرى، غير أن كرة القدم لا تمنح نهايات شاعرية دائما، وأحيانا تكون أكثر قسوة مع من خدمها طويلا؛
وجاءت ردود الفعل داخل فرنسا بحجم الصدمة، فلم يعد الحديث مقتصرا على نتيجة مباراة أو أخطاء تكتيكية، بل تحول إلى تشريح شامل لمسار منتخب امتلك كل مقومات النجاح، لكنه عجز عن الوصول إلى الهدف الأكبر، مرحلة كاملة وضعت تحت المجهر، وسط تساؤلات حقيقية حول أسباب التراجع، وكيف لفريق بهذه الجودة أن ينهي البطولة خارج منصة التتويج؛
وفي خضم هذا المشهد، بدأت الأنظار تتجه إلى المستقبل أكثر من التوقف عند مرارة الماضي. فالمرحلة المقبلة تفرض إعادة بناء الذهنية قبل إعادة ترتيب الأوراق الفنية، فالمطلوب ليس مجرد تغيير الأسماء، بل استعادة شخصية المنتخب التي صنعت أمجاده، لأن امتلاك أفضل اللاعبين لا يكفي إذا غابت الهوية الجماعية والقدرة على التعامل مع الضغوط في اللحظات الحاسمة؛
قد يبدو المركز الرابع نتيجة مقبولة بالنسبة لمنتخبات كثيرة، لكنه بالنسبة لفرنسا يحمل طعم الإخفاق، فمنتخب اعتاد المنافسة على اللقب لا يمكنه اعتبار هذا الترتيب إنجازا، لأن سقف طموحه أعلى بكثير من الاكتفاء بدور المتفرج على منصة التتويج؛
هكذا انتهى المونديال بالنسبة لفرنسا بصورة لم يتوقعها حتى أكثر المتشائمين. وبين وداع مؤلم لحقبة امتدت سنوات، وترقب لمرحلة جديدة تحمل الكثير من التحديات، يبقى الدرس الأبرز أن كرة القدم لا تكافئ من يدخل البطولة مرشحا على الورق، بل من يثبت فوق العشب أنه الأجدر بكتابة النهاية التي يحلم بها.























