تاكسي نيوز -ك/ك
استشهاد حارس الأمن حمزة الزعام بمدينة إمزورن، وهو يؤدي واجبه المهني، ليس واقعة يجوز أن تطوى في سجل الأخبار بمجرد انتهاء مراسم التشييع. إنها فاجعة وطنية تستوجب التوقف عند ما هو أبعد من مشهد الحزن، لأنها تفتح ملف العلاقة بين الجريمة ومحيطها الاجتماعي، وتضع أمام الرأي العام سؤالا صريحا: كيف يتمكن أشخاص محل مذكرات بحث أو أبحاث قضائية من الاختباء داخل أحياء مكتظة بالسكان ومواصلة تحركاتهم بعيدا عن أعين العدالة؟ لا أحد يطالب المواطن بأن يتحول إلى رجل أمن أو أن يعرض حياته للخطر، لكن لا يمكن في المقابل أن يتحول الخوف إلى مبرر دائم للصمت، أو أن تصبح الأحياء السكنية فضاءات توفر، عن قصد أو غير قصد، ظروفا تساعد على استمرار نشاط إجرامي أو تعرقل وصول المعلومات إلى الجهات المختصة. فالجريمة تتمدد حين تجد الصمت، وتنحسر حين تواجه بوعي مجتمعي يرفض منحها أي غطاء.
وتتضاعف خطورة هذه الإشكالية عندما يتعلق الأمر بترويج المخدرات والمؤثرات العقلية، لأننا لا نكون أمام نشاط غير مشروع محدود الأثر، بل أمام ظاهرة تضرب الإنسان في صحته وعقله ومستقبله، وتدفع الأسر والمجتمع ثمنها باهظا. فالمخدرات تستهدف الشباب واليافعين، وتستنزف الطاقات، وتهدد الاستقرار الأسري، وقد تفتح الطريق أمام أنماط أخرى من الانحراف والجريمة. ولذلك لا يمكن النظر إلى ترويج هذه السموم داخل الأحياء باعتباره شأنا خاصا لا يعني سوى أطرافه، لأن آثاره تمتد إلى المحيط بأكمله. ومن حق الأسر أن تعيش في بيئة آمنة، ومن واجب المجتمع أن يرفض تطبيع وجود مروجي المخدرات في محيطه، وأن يدرك أن حماية الناشئة لا تبدأ من لحظة وقوع الضرر، بل من مواجهة الظروف التي تسمح بانتشاره. إن رفض تحويل الأحياء إلى فضاءات آمنة للاتجار غير المشروع ليس دعوة إلى الفوضى، وإنما موقف مدني مسؤول تحكمه المصلحة العامة وسيادة القانون؛
وفي المقابل، فإن الحزم في مواجهة الجريمة يجب أن يظل محكوما بالقانون، لأن مكافحة الانحراف لا يمكن أن تكون ذريعة لانتهاك الحقوق أو إصدار الأحكام خارج المؤسسات. المواطن ليس جهة تحقيق ولا قاضيا، ودوره لا يتجاوز، عند توفر معلومات جدية وموثوقة، إيصالها إلى الجهات المختصة عبر القنوات القانونية. أما التحقق والتوقيف والتحقيق وترتيب المسؤوليات، فهي من اختصاص المؤسسات المخولة بذلك قانونا. ولهذا يجب التمييز بوضوح بين التبليغ المسؤول والوشاية الكيدية، وبين التعاون مع السلطات وتصفية الحسابات، وبين التحذير من خطر حقيقي والتشهير بأشخاص لم تثبت مسؤوليتهم. فقرينة البراءة مبدأ لا يجوز المساس به، كما أن احترام القانون يقتضي في الوقت نفسه عدم تحويلها إلى ذريعة لحجب معلومات جدية يمكن أن تساعد على منع جريمة أو حماية ضحية محتملة. المعادلة واضحة: المواطن يبلغ بمسؤولية، والجهات المختصة تتحقق، والقضاء يقول كلمته؛
لقد رحل حمزة الزعام وهو يؤدي واجبه، لكن رحيله يجب ألا يبقى مجرد مناسبة للتأبين واستحضار مشاعر الأسى، بل ينبغي أن يتحول إلى لحظة وعي جماعي بمسؤولية المجتمع في محاصرة الجريمة وتجفيف منابعها الاجتماعية. فالأمن مسؤولية الدولة ومؤسساتها المختصة، غير أن نجاح الجهود الأمنية يحتاج إلى مجتمع يقظ لا يوفر للجريمة غطاء، ولا يتعامل مع مروجي السموم باعتبارهم جزءا عاديا من المشهد، ولا يحتفظ بالمعلومات الجدية التي يمكن أن تسهم في حماية الأرواح. المطلوب ليس مواطنا يطارد المطلوبين، ولا مجتمعا يمارس العدالة بيده، وإنما مواطن يعرف واجبه وحدود مسؤوليته، ويسلك الطريق القانوني عندما تتوفر لديه معطيات تستوجب التبليغ. الأحياء ليست ملاجئ للمطلوبين، والخوف لا ينبغي أن يتحول إلى حصانة اجتماعية للجريمة، والمخدرات ليست تجارة عابرة يمكن التعايش معها. ومن هنا فإن الرسالة التي يجب أن تبقى واضحة بعد هذه الفاجعة هي أن مواجهة الجريمة مسؤولية مؤسساتية في المقام الأول، لكنها تحتاج أيضا إلى مجتمع يرفض الصمت حين يصبح الصمت خطرا، ويتعاون مع القانون دون أن يتجاوز القانون، ويضع حماية أبنائه وصيانة أمن محيطه في مقدمة أولوياته.























