تاكسي نيوز-سوق السبت(صورة من الأرشيف)
لم تكن الواقعة الأمنية التي شهدها حي سيدي علي بن عدي بمدينة سوق السبت أولاد النمة، مساء الإثنين الماضي، مجرد تدخل أمني استثنائي انتهى بإطلاق رصاصات تحذيرية لتوقيف مشتبه فيه كان يهدد عناصر الشرطة بسلاح أبيض، بل تحولت إلى لحظة كاشفة أعادت إلى الواجهة ملفا ظل لسنوات حبيس التجاهل والتأجيل، يتعلق بأوضاع التأهيل الحضري والبنية التحتية داخل عدد من الأحياء الهامشية بالمدينة؛
فالضجة التي صاحبت الحادث استدعت حضور مسؤولين وفاعلين للوقوف على تفاصيل الواقعة الأمنية، لكنها في المقابل كشفت واقعا أكثر إزعاجا من الحادث نفسه، واقع أحياء تعاني من ضعف التجهيزات الأساسية، وغياب الإنارة العمومية الكافية، وتردي وضعية الأزقة والمساحات العامة، في مشهد يطرح تساؤلات حقيقية حول العدالة المجالية داخل المدينة؛
لقد بدا حي سيدي علي بن عدي، خلال تلك الليلة، وكأنه يبعث برسالة احتجاج صامتة مفادها أن التهميش العمراني لا يقل خطورة عن بعض المظاهر الأمنية التي تستأثر عادة بالاهتمام الإعلامي والمؤسساتي، فالمعاينة الميدانية كشفت حجم الفوارق القائمة بين أحياء المدينة، حيث لا تزال مناطق بأكملها تعيش ظروفا أقرب إلى المجال القروي منها إلى حي حضري يفترض أن تتوفر فيه شروط العيش الكريم والحد الأدنى من الخدمات الأساسية؛
وإذا كانت الواقعة الأمنية قد فرضت نفسها على النقاش العمومي بحكم خطورتها، فإن السؤال الأكثر إلحاحا يتعلق بالأسباب العميقة التي تجعل بعض الأحياء تعيش خارج دائرة الأولويات التنموية، فهل يعقل أن تمر سنوات طويلة من التدبير الجماعي، وتعاقب المجالس المنتخبة، دون أن تتم معالجة الاختلالات البنيوية التي تعرفها أحياء مثل سيدي علي بن عدي ودوار العشرين والعدس وغيرها من المناطق التي ظلت تنتظر نصيبها من التنمية المحلية؟
فالمتتبع للشأن المحلي بسوق السبت يدرك أن جزءا من هذه الأحياء ظل لسنوات رهين انتشار البناء غير المنظم، وسط تساهل واضح مع واقع عمراني غير سليم ساهم في تكريس الهشاشة المجالية بدل معالجتها، كما أن بعض هذه المناطق كانت، بحسب متابعين للشأن المحلي، خزانات انتخابية استُثمرت خلال الاستحقاقات المتعاقبة، دون أن يواكب ذلك استثمار حقيقي في تحسين ظروف عيش السكان أو توفير بنية تحتية تليق بكرامتهم؛
وتزداد المفارقة حدة عندما يتعلق الأمر بالإنارة العمومية، التي لا تمثل فقط خدمة أساسية للمواطنين، بل تشكل أيضا عاملا مساعدا للأجهزة الأمنية في أداء مهامها، فضعف الإنارة وتدهور الفضاءات العامة ينعكسان بشكل مباشر على جودة التدخلات الميدانية وعلى الإحساس العام بالأمن، ما يجعل مسؤولية معالجة هذه الاختلالات مسؤولية جماعية تتجاوز المقاربة الأمنية إلى مقاربة تنموية شاملة؛
وفي الوقت الذي تنتظر فيه الساكنة نتائج مشاريع التأهيل التي تعرفها بعض الشوارع الرئيسية للمدينة، والتي تعرف بدورها تأخرا ملحوظا في الإنجاز وما يرافقه من معاناة يومية بسبب الغبار وصعوبات التنقل، يظل السؤال مطروحا حول موقع الأحياء الهامشية ضمن أولويات السياسات المحلية، فالتنمية الحقيقية لا تقاس فقط بتأهيل المحاور الرئيسية، بل بمدى قدرة الجماعة الترابية على تقليص الفوارق بين الأحياء وضمان حد أدنى من العدالة المجالية لجميع السكان؛
إن ما وقع بحي سيدي علي بن عدي يجب ألا يُختزل في خبر أمني عابر أو حادثة ظرفية انتهت بتدخل الشرطة، بل ينبغي اعتباره فرصة لإعادة فتح نقاش جدي حول واقع الأحياء المهمشة بسوق السبت. فالمشكلة ليست في الحادث ذاته، بل في السياق العمراني والاجتماعي الذي كشفه، وفي سنوات من التأخر في معالجة اختلالات ظلت الساكنة تشتكي منها دون أن تجد حلولاً جذرية ومستدامة؛
ولا تقتصر التحديات التي يواجهها حي سيدي علي بن عدي على مظاهر النقص في البنيات والتجهيزات الأساسية فحسب، بل تمتد لتشمل أوضاعا اجتماعية واقتصادية مقلقة، حيث تعيش فئات واسعة من شباب الحي، إلى جانب شباب أحياء أخرى بمدينة سوق السبت أولاد النمة، على وقع أزمة بطالة خانقة في ظل محدودية فرص الشغل وضعف الاستثمارات القادرة على خلق مناصب عمل قارة، وأمام هذا الواقع، بات حلم الهجرة يراود العديد من الشباب، خاصة بعد الحوادث المأساوية المرتبطة بالهجرة غير النظامية التي خلفت مآسي إنسانية وآلاما لدى عدد من الأسر، كما يشتكي السكان من غياب فضاءات ثقافية ورياضية وترفيهية كفيلة باحتضان اليافعين والشباب وتوجيه طاقاتهم نحو أنشطة إيجابية تساهم في حمايتهم من مختلف الظواهر الاجتماعية السلبية؛
وفي المقابل، يثير التفاوت المجالي داخل المدينة تساؤلات متزايدة لدى الرأي العام المحلي، في ظل توسع عدد من التجزئات السكنية وارتفاع أسعار العقار بشكل لا ينسجم، بحسب متتبعين، مع الواقع الاقتصادي والاجتماعي لفئات واسعة من الساكنة؛
وبين أحياء تعاني من خصاص واضح في البنيات والخدمات الأساسية، وأخرى تستفيد من مستويات أفضل من التجهيز والتأهيل، تتعالى الدعوات إلى تعزيز آليات الرقابة والتتبع وتكريس مبادئ الحكامة الجيدة والعدالة المجالية، مع الحرص على تفعيل مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة بما يضمن الشفافية وتكافؤ الفرص في التنمية المحلية ويعزز ثقة المواطنين في المؤسسات المنتخبة؛
لقد كانت ليلة الإثنين بمثابة صرخة حي بأكمله، صرخة تطالب بحقها في الإنارة والتجهيز والنظافة والبنية التحتية اللائقة، وحق ساكنتها في العيش داخل فضاء حضري يحفظ الكرامة ويوفر شروط الاستقرار، أما استمرار هذا الوضع، فلن يعني سوى تكريس مزيد من الفوارق المجالية وإدامة الشعور بالتهميش لدى فئات واسعة من المواطنين الذين ينتظرون أن تتحول الوعود إلى مشاريع ملموسة على أرض الواقع.























