بعد استقبال بن كيران بالحشود بأقاليم جهة بني ملال… هل يمنح التصويت العقابي العدالة والتنمية فرصة جديدة لاستعادة ثقة الناخب ؟!

هيئة التحرير6 سبتمبر 2026
بعد استقبال بن كيران بالحشود بأقاليم جهة بني ملال… هل يمنح التصويت العقابي العدالة والتنمية فرصة جديدة لاستعادة ثقة الناخب ؟!
نعيمة عتماني/ رأي حر

 

مع اقتراب موعد الانتخابات التشريعية المقررة في 23 شتنبر 2026، يعود سؤال الثقة السياسية إلى واجهة النقاش العمومي: هل يمكن أن يتحول عدم الرضا عن تدبير المرحلة الحالية إلى تصويت عقابي يعيد ترتيب الخريطة السياسية؟ وهل يمكن أن يستفيد حزب العدالة والتنمية من هذا التحول، باعتباره حزبا سبق أن خاض تجربة تدبير الشأن الحكومي، ويمتلك رصيدا تنظيميا وسياسيا يجعله من بين الخيارات المطروحة أمام الناخب؟

هل يتحول الاستياء إلى تصويت عقابي؟

يعد التصويت العقابي إحدى الآليات التي يلجأ إليها الناخب للتعبير عن عدم رضاه عن أداء حكومة أو حزب، من خلال سحب دعمه الانتخابي ومنحه لبديل آخر. غير أن هذا النوع من التصويت لا يصبح مؤثرا إلا عندما يتحول الاستياء إلى مشاركة فعلية في العملية الانتخابية، بدل أن ينتهي إلى العزوف والابتعاد عن الشأن العام.
وفي هذا السياق، أكد عبد الإله ابن كيران، خلال اللقاءات الجماهيرية التي عقدها في عدد من المدن عبر مختلف جهات المملكة، أهمية المشاركة السياسية وعدم الانسحاب من الحياة العامة، معتبرا أن الانتخابات تظل إحدى الوسائل الأساسية التي يملكها المواطن للتعبير عن موقفه وممارسة حقه في الاختيار.

وتكتسب هذه الدعوة أهمية خاصة في سياق انتخابي تتعدد فيه مظاهر عدم الرضا عن الأداء السياسي والاقتصادي والاجتماعي، إذ يظل التصويت الوسيلة الأكثر مباشرة لترجمة المواقف إلى اختيارات سياسية. فالناخب يستطيع أن يكافئ من يرى أنه احسن تدبير المسؤولية، وأن يعاقب من يعتبر أنه اخفق، كما يستطيع أن يمنح ثقته لبديل يراه اكثر قدرة على الاستجابة لتطلعاته.

وبهذا المعنى، لا يعني التصويت العقابي بالضرورة تبني خيار سياسي معين، بقدر ما يعكس رغبة في إعادة ترتيب موازين القوى. غير أن السؤال المطروح هو: هل يمكن أن تتحول هذه الرغبة في التغيير إلى فرصة فعلية أمام الاحزاب المعارضة، وفي مقدمتها العدالة والتنمية، لاستعادة جزء من الثقة التي فقدتها خلال السنوات الماضية؟

العدالة والتنمية.. من تراجع 2021 إلى محاولة استعادة الحضور

كان حزب العدالة والتنمية من أكثر الاحزاب تأثرا بالتحولات التي عرفها المشهد الانتخابي المغربي خلال انتخابات 2021، التي شكلت محطة مفصلية في مساره السياسي، بعدما سجل الحزب تراجعا كبيرا في نتائجه مقارنة بالاستحقاقات السابقة.
غير أن هذا التراجع لم يضع حدا لمساره السياسي، إذ أعاد الحزب ترتيب أوراقه التنظيمية والسياسية، مع انتخاب عبد الاله ابن كيران أمينا عاما، واستعادة حضوره في المعارضة، في محاولة لإعادة بناء موقعه داخل المشهد السياسي واسترجاع جزء من الرصيد الذي راكمه خلال سنوات من العمل الحكومي والبرلماني.
وتكمن إحدى نقاط قوة الحزب في كونه خيارا سبق أن اختبره الناخبون في موقع المسؤولية، وهي ميزة تسمح بإجراء مقارنة بين تجربته السابقة والبدائل المطروحة حاليا. فالبديل السياسي ليس بالضرورة ذلك الذي لم يسبق له الوصول إلى مواقع المسؤولية، وإنما يمكن أن يكون أيضا حزبا خاض التجربة، ووقف على مكامن قوتها ونقاط ضعفها، وأصبح مطالبا بتقديم قراءة نقدية لمساره، وإقناع الناخب بقدرته على الاستفادة من دروس الماضي.
إن عودة حزب العدالة والتنمية إلى الواجهة لا تبدو مجرد محاولة لاستعادة موقع سابق، بقدر ما تشكل اختبارا جديدا لقدرته على تقديم نفسه بصورة مختلفة، مستفيدا من تجربته السابقة دون أن يبقى أسيرا لها. وتظهر بعض ملامح هذا المسعى في التحركات التي تباشرها قيادة الحزب، من خلال لقاءات وتجمعات سياسية تعرف تفاعلا مع خطابه، ومن بينها الاستقبال الحاشد الذي حظي به عبد الإله ابن كيران خلال زيارته إلى الفقيه بن صالح وبني ملال و أيت بوكماز بإقليم أزيلال. ويشير هذا التفاعل إلى استمرار صلة قيادة الحزب بعدد من المناطق، وإلى سعيها إلى تعزيز التواصل مع المواطنين وإعادة بناء العلاقة مع الناخبين.
وتندرج هذه التحركات في إطار محاولة إعادة بناء الحضور السياسي وتجديد العرض الانتخابي للحزب، في وقت تفرض فيه المنافسة على مختلف القوى السياسية تقديم برامج وخطابات قادرة على استقطاب ثقة الناخبين.

معركة استعادة الثقة

تبقى استعادة الثقة التحدي الأصعب أمام حزب العدالة والتنمية، إذ لا يتعلق الأمر فقط باسترجاع جزء من الأصوات التي فقدها في انتخابات 2021، وإنما بإقناع شرائح جديدة من الناخبين، ولا سيما الشباب والمترددين، بأن الحزب قادر على تقديم اجابات واقعية عن انتظاراتهم. فالناخب لا يختار فقط بناء على مواقف المعارضة أو على انتقاد أداء الحكومة، وإنما ينظر إلى قضايا تمس حياته اليومية، من التشغيل والتعليم والصحة والعدالة الاجتماعية إلى الحكامة وتكافؤ الفرص. ولذلك، فإن قوة أي حزب سياسي لا تقاس فقط بقدرته على رصد اختلالات خصومه، وإنما أيضا بقدرته على تقديم مشروع واضح ومقنع وقابل للتنفيذ. كما أن التجربة السابقة تفرض على الحزب مسؤولية إضافية؛ فاستعادة الحضور السياسي لا يمكن أن تبنى فقط على أخطاء الاخرين، وإنما تحتاج إلى مراجعة ذاتية، وإلى القدرة على الاعتراف بما يحتاج إلى تصحيح، وتجديد الخطاب وأساليب العمل، وربط التجربة السابقة برؤية جديدة للمستقبل.
وهناك من يرى أن التصويت العقابي قد يساهم في إعادة توزيع جزء من الأصوات، لكنه لا يكفي وحده لصناعة بديل سياسي. فالناخب الذي يقرر معاقبة خيار سياسي قائم، سيبحث في المقابل عن جهة يثق في قدرتها على تحمل المسؤولية وتقديم اجابات اكثر اقناعا.

ويمكن هنا استحضار مقاربة ارتبطت في بعض الكتابات السياسية بالملك الراحل الحسن الثاني، ومفادها أن الاختيار السياسي لا يكون دائما بين الافضل والاحسن، وإنما قد يفرض أحيانا المفاضلة بين بدائل متفاوتة في درجة ملاءمتها وأقلها ضررا. وهي فكرة تكتسب راهنيتها في الاستحقاقات الانتخابية، حيث لا يعني غياب الخيار المثالي أن يتحول المواطن إلى العزوف، بل يظل مطالبا بممارسة حقه في الاختيار، ومقارنة البدائل المتاحة، وتحمل مسؤوليته في تحديد الاتجاه الذي يراه أقرب إلى المصلحة العامة.
فالسياسة ليست فقط مجالا لمحاسبة الاخطاء، وإنما هي أيضا مجال للمراجعة والتصحيح. ومن راكم تجربة في تدبير الشأن العام وأدرك مواطن الخلل فيها، قد يكون أكثر قدرة على فهم أسبابها وتصحيحها، متى امتلك شجاعة الاعتراف بالخطأ وإرادة مراجعته. فالاعتراف بالخطأ فضيلة، والرجوع عنه فضيلة، وتحويل دروس التجربة إلى سياسات وممارسات جديدة هو ما يمنح المراجعة السياسية معناها الحقيقي.
وبذلك، لا يختزل استحقاق 2026 في معاقبة هذا الحزب أو مكافأة ذاك، بقدر ما يضع الناخب أمام مسؤولية الاختيار بين البدائل المتاحة، على أساس القدرة على تحمل المسؤولية والاستجابة لانتظارات المواطنين.
ولهذا فقد يشكل التصويت العقابي إن اختاره الناخب فرصة أمام العدالة والتنمية لتعزيز موقعه في المنافسة، غير أن تحويل هذه الفرصة إلى ثقة انتخابية يظل رهينا بقدرته على تقديم قراءة نقدية لتجربته السابقة، والاستفادة من دروسها، وطرح مشروع جديد يقنع الناخب بأن العودة ليست استعادة للماضي، وإنما بداية مختلفة تقوم على الإصلاح وخدمة المواطن.

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

الاخبار العاجلة