تاكسي نيوز
في دائرة الفقيه بن صالح، لا يبدو أن المعركة الانتخابية تدور فقط حول البرامج والوعود وصناديق الاقتراع، بل تفتح أيضا نقاشا أكثر حساسية حول ما يصفه الشرقاوي التهامي ، وكيل لائحة تحالف اليسار، بظاهرة “شناقة الانتخابات”، ممن قال في فيديو له إنهم يتحركون لاستمالة أصوات المواطنات والمواطنين لفائدة من وصفه بـ”مول الشكارة”.
والخطير في هذه الممارسات، متى ثبتت بأدلة ووقائع محددة، أنها لا تمس فقط بصورة المنافسة الانتخابية، وإنما تضرب في الصميم مبدأ حرية الاختيار وتضع الإرادة الشعبية أمام امتحان حقيقي. فحين يتحول الفاعل المدني أو المنتخب المحلي، بحسب الانتقادات المطروحة، من ممثل للمواطنين إلى وسيط انتخابي يسعى إلى توجيه أصواتهم، يصبح السؤال مشروعا: هل نحن أمام تعبير حر عن الإرادة السياسية، أم أمام محاولة لصناعة نفوذ انتخابي خارج منطق البرامج والكفاءة والمحاسبة؟
وكان الشرقاوي التهامي قد سبق أن حذر من ممارسات اعتبرها استغلالا مباشرا للهشاشة الاجتماعية، مشيرا إلى ما قال إنه تمويل لبعض الأعراس ومجالس العزاء وحفلات الختان وغيرها من المناسبات، بغرض استمالة أصوات المواطنين. وهذه الادعاءات، بصرف النظر عن الجهة التي تطلقها، تستوجب نقاشا مسؤولا لا يقوم على التعميم ولا على الإدانة المسبقة، وإنما على التحقق واحترام القانون والمؤسسات المختصة. فالتضامن الاجتماعي في ذاته ممارسة مشروعة، لكن الإشكال يبدأ عندما تتحول المساعدة، إن ثبت ارتباطها بمقابل انتخابي، إلى وسيلة للتأثير في قرار الناخب أو إلى أداة لصناعة الولاءات السياسية. وفي هذه الحالة تحديدا، لا يعود الأمر مجرد تنافس حزبي عابر، بل يصبح مرتبطا بسلامة العملية الانتخابية وبحق المواطن في أن يقرر اختياره بعيدا عن الضغط والحاجة والوساطة؛
“كفى فسادا للعملية الانتخابية”، يقول المرشح، في رسالة سياسية لا تخلو من الحدة، داعيا إلى حماية الاستحقاق من الممارسات التي يعتبرها منافية للنزاهة ولإرادة المواطنين في تغيير أوضاع المنطقة. لكن حماية الانتخابات لا يمكن أن تكون مسؤولية مرشح واحد أو حزب واحد، كما لا يجوز أن تتحول مواجهة الفساد الانتخابي إلى منصة لتبادل الاتهامات دون بينة. المسؤولية هنا جماعية: على المرشح أن يقدم برنامجه، وعلى الناخب أن يمارس حقه باستقلالية، وعلى الفاعل المدني أن يدرك أن تمثيل المواطنين ليس تفويضا لبيع مواقفهم أو توجيه أصواتهم، وعلى كل من يملك معطيات حول مخالفات محتملة أن يسلك القنوات القانونية المختصة. أما تحويل الساكنة إلى كتلة أصوات قابلة للتعبئة مقابل خدمات أو امتيازات، فهو سلوك يستحق الرفض السياسي والمجتمعي متى ثبت، لأن الديمقراطية لا تقاس بعدد الأصوات فقط، بل بحرية الطريق التي قادت إليها؛
وفي النهاية، فإن أخطر ما يمكن أن يحدث في أي استحقاق انتخابي هو أن يصبح المواطن مجرد رقم في حسابات شبكات النفوذ، وأن يتحول صوته إلى ورقة تفاوض بين من يملكون المال ومن يملكون القدرة على التأثير في الناس. لذلك فإن الرسالة الأهم التي تفرض نفسها على الناخبين بدائرة الفقيه بن صالح هي أن لا أحد يملك حق التحدث باسمهم أو مصادرة قرارهم، وأن اختيار ممثل الأمة ينبغي أن يبنى على الكفاءة والنزاهة والبرنامج والحصيلة، لا على الولائم والمناسبات والوعود أو الوساطات. وإذا كانت هناك بالفعل محاولات لاستغلال مواقع مدنية أو انتخابية محلية لتوجيه الأصوات، فإن مواجهتها تبدأ بوعي المواطن نفسه: لا تمنحوا أحدا وكالة على أصواتكم، ولا تسمحوا لأي وسيط بأن يقدم نفسه باعتباره الناطق باسمكم. فصندوق الاقتراع ملك للناخب، والصوت أمانة، ومن يحاول تحويله إلى سلعة إنما يضع جوهر العملية الديمقراطية أمام سؤال لا يمكن القفز عليه.























