تاكسي نيوز-ك/ك
لم تكن زيارة فوزي لقجع إلى جماعة أولاد ناصر بإقليم الفقيه بن صالح، وتحديدا إلى منزل الراحل الحاج فضلي إبراهيم، والد أحمد فضلي، وكيل لائحة حزب الأصالة والمعاصرة بالإقليم، مجرد محطة اجتماعية عابرة في سياق سياسي متحرك، بل تحولت إلى مشهد تختلط فيه الرمزية الرياضية بالحسابات الانتخابية وبانتظارات جمهور يبحث عن إشارات المستقبل قبل أوانه. حضور حشد كبير من المواطنين، بينهم من ينتمي إلى أحزاب أو توجهات سياسية مختلفة، منح اللقاء زخما لافتا، فيما بدا أن جزءا من الحاضرين تعامل مع المناسبة باعتبارها فرصة للقاء شخصية عمومية ذات حضور استثنائي، أو لالتقاط صورة تذكارية مع رئيس الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم الذي اختار ولوج المجال الحزبي. وبين التصفيق الذي رافق بعض مضامين كلمته، وبين التأويلات التي أحاطت بحضوره، برزت صورة سياسية تتجاوز حدود المناسبة نفسها: صورة شخصية بات بعض المتابعين يتعاملون معها وكأنها تقف على عتبة رئاسة الحكومة، قبل أن تتكلم صناديق الاقتراع وقبل أن تحدد النتائج من يحتل المرتبة الأولى، ومن يملك، دستوريا وسياسيا، شروط تشكيل الأغلبية الحكومية.
المفارقة هنا أن السياسة لا تدار بمنطق الصور ولا بمنطق الانطباعات، ولا يمكن اختزال المسار الديمقراطي في شعبية شخص أو في حجم تجمع حوله. فمهما كانت مكانة لقجع الرياضية، ومهما كان حضوره السياسي أو قدرته على استقطاب الانتباه، فإن الانتقال من موقع الشخصية المؤثرة إلى موقع رئيس الحكومة ليس قرارا ينعقد خارج المؤسسات، ولا نتيجة يمكن افتراضها مسبقا. وإذا كان عدم تقديم ترشيحه للانتخابات البرلمانية المقبلة بدائرة بركان قد أصبح موضوعا للتداول السياسي، فإن هذا المعطى، في حد ذاته، لا يسمح بالقفز إلى استنتاجات نهائية حول موقعه المستقبلي. بل إن عدم الترشح يفرض سؤالا أكثر دقة: هل نحن أمام إعادة ترتيب للأدوار، أم أمام اختيار سياسي مختلف، أم أن الأمر لا يعدو أن يكون قرارا انتخابيا لا ينبغي تحميله أكثر مما يحتمل؟ الإجابة، في جميع الحالات، لا تملكها التكهنات ولا الولاءات الظرفية، وإنما تملكها الوقائع الرسمية ومسارات الاستحقاق الانتخابي وما ستفرزه صناديق الاقتراع من موازين قوى؛
ومن هذه الزاوية تحديدا، تصبح أسئلة أولاد ناصر أكثر أهمية من كل التأويلات التي رافقت الزيارة. فالمواطن الذي حضر ليستمع أو يلتقط صورة أو يستطلع اتجاهات المرحلة، سيجد نفسه، عاجلا أم آجلا، أمام ورقة اقتراع تتعلق بمرشحين وبرامج وبحصيلة ووعود. والسؤال الحقيقي ليس من كان إلى جانب لقجع في صورة جماعية، ولا من صفق لكلمة سياسية، وإنما من سيحافظ على موقفه عندما تختفي أضواء المناسبة ويبدأ الحساب الانتخابي الفعلي. هل سيترجم الحضور الشعبي دعما انتخابيا للائحة الجرار بالإقليم، أم أن جزءا منه كان مرتبطا حصرا بشخصية لقجع ومكانته الرياضية والسياسية؟ وهل سيظل الرهان على الاسم كافيا لإقناع الناخب، أم أن الناخب المحلي بدأ يطالب، بصورة أكثر صراحة، بمن يجيب عن مشاكله اليومية؟ إنها أسئلة لا تحمل اتهاما لأحد، لكنها تضع الخطاب الانتخابي أمام اختبار حقيقي: اختبار الانتقال من قوة الرمز إلى قوة الإنجاز، ومن جاذبية الشخصية إلى جدوى التمثيل السياسي؛
ولذلك، فإن الأصوات التي تستحضر اليوم أزمة مياه الشرب ومختلف الإشكالات الاجتماعية والتنموية التي تواجه سكان أولاد ناصر والمناطق المجاورة، تضع النقاش في مكانه الطبيعي: المصلحة العامة قبل الصورة، والخدمة العمومية قبل الحسابات الانتخابية، والالتزام القابل للمساءلة قبل الوعود الموسمية. فالمنطقة لا تحتاج إلى أن تبقى رهينة انتظار سياسي مفتوح، ولا إلى أن تتحول المناسبات الانتخابية إلى بديل عن معالجة الملفات التي تمس الحياة اليومية للمواطنين. وما ستقوله صناديق الاقتراع لن يكون بالضرورة انعكاسا لعدد الحاضرين في لقاء أو لعدد الصور الملتقطة خلاله، بل سيكون، في جانب كبير منه، تعبيرا عن تقييم الناخب لما قدمه المنتخبون وما ينتظر أن يقدموه. أما تحويل لقجع إلى “رئيس حكومة المستقبل” قبل أن تبدأ العملية الانتخابية فعليا، فهو في أحسن الأحوال قراءة سياسية مبكرة، وفي أسوئها اختزال للديمقراطية في شخص واحد. وبين التوقع والواقع مسافة لا يقطعها إلا الاقتراع، وبين الصورة والحصيلة مسافة لا يختصرها إلا العمل، وبين الوعد والتفويض عقد سياسي لا تمنحه الجماهير في مناسبة، وإنما يمنحه الناخب يوم الاقتراع.























