تاكسي نيوز
تعيش مدينة سوق السبت، في الآونة الأخيرة، على وقع نقاش سياسي ومحلي متزايد الحدة، في وقت كان يفترض أن ينصرف فيه اهتمام مختلف الفاعلين السياسيين والمدنيين إلى القضايا الحقيقية التي تشغل الساكنة، وفي مقدمتها التنمية المحلية، وفرص الشغل، وتحسين الخدمات، وخلق آفاق جديدة أمام شباب المنطقة. فمدينة تواجه، بحسب ما يعكسه النقاش العمومي المحلي، محدودية في فرص الإدماج الاقتصادي وغيابا نسبيا للفرص الكفيلة باستيعاب طاقات الشباب، تحتاج قبل كل شيء إلى نقاش جاد حول مستقبلها التنموي، وليس إلى صراعات سياسية قد لا يجد المواطن فيها، في نهاية المطاف، جوابا عن الأسئلة المرتبطة بحياته اليومية ومستقبله؛
ولا يتعلق الأمر هنا بالدعوة إلى إسكات الاختلاف السياسي أو إلغاء المعارضة، فالتعدد والنقد والمساءلة عناصر أساسية في أي ممارسة ديمقراطية سليمة، وإنما يتعلق الأمر بطرح سؤال جوهري حول طبيعة هذا الصراع وتوقيته وأهدافه. فإذا كان الخلاف نابعا من حرص حقيقي على المصلحة العامة، فإن من المفترض أن يتحول إلى نقاش مؤسساتي قائم على المعطيات والوثائق والبرامج والبدائل. أما إذا كان الأمر يتعلق بمجرد تموقعات انتخابية مبكرة أو بإعادة ترتيب المواقع استعدادا للاستحقاقات المقبلة، فإن المواطن من حقه أن يتساءل عن الجدوى الحقيقية لهذه المناكفات، وعن علاقتها المباشرة بمشاكله اليومية وبالأزمة التنموية التي تعاني منها المدينة؛
فالسياسة المحلية لا ينبغي أن تختزل في تبادل الاتهامات أو تسجيل النقاط بين مختلف الأطراف، وإنما يفترض أن تكون وسيلة لإنتاج الحلول وتحقيق النتائج. والمواطن لا يقيس نجاح الفاعل السياسي بعدد الخرجات الإعلامية أو حدة الخصومات، وإنما بما تحقق على أرض الواقع من مشاريع وفرص شغل واستثمارات وخدمات عمومية وتحسين لظروف العيش. ولذلك فإن استمرار الصراعات السياسية في مدينة يحتاج شبابها إلى العمل والاستثمار والأمل، قد يؤدي، بدل معالجة أزمة الثقة، إلى تعميقها، خصوصا في ظل تنامي شعور لدى فئات من الشباب بأن المشاركة السياسية لا تفضي بالضرورة إلى تغيير ملموس في واقعهم؛
ومن بين القضايا التي تستحق نقاشا مسؤولا وهادئا مسألة ظهور مظاهر ثراء مفاجئة على بعض الأشخاص بعد ولوجهم المجال السياسي أو الانتخابي أو توليهم مسؤوليات إدارية أو عمومية. وهنا ينبغي التأكيد، من الناحية القانونية والمهنية، على ضرورة التمييز بين التساؤل المشروع وبين الاتهام. فامتلاك الثروة أو العقارات أو الاستثمارات ليس جريمة في حد ذاته، كما أن الثراء لا يمكن أن يشكل دليلا تلقائيا على وجود مخالفة أو فساد. لكن في المقابل، فإن تولي مسؤولية عمومية يفرض مستوى أعلى من الشفافية والمساءلة، ويجعل من المشروع، متى توفرت معطيات موضوعية تستدعي ذلك، أن تقوم الجهات المخولة قانونا بالتحقق من مدى انسجام الممتلكات والمصالح مع مصادر الدخل المشروعة والتصريحات والالتزامات القانونية؛
وبالتالي، فإن السؤال المهني والقانوني ليس اتهام شخص بعينه بأنه اغتنى بطريقة غير مشروعة، وإنما التساؤل عن مدى فعالية آليات المراقبة والمساءلة في التحقق من مصادر الثروة عندما تظهر مؤشرات تستدعي الفحص. فالمحاسبة الحقيقية لا يمكن أن تقوم على الإشاعات أو الخصومات الشخصية أو التصفيات السياسية، وإنما على الوثائق والقرائن والمساطر القانونية. ومن حق أي مسؤول أو منتخب أن يتمتع بقرينة البراءة وأن تصان سمعته من الاتهامات غير المثبتة، وفي الوقت نفسه من حق المجتمع أن يطالب بتفعيل آليات الرقابة حين توجد أسباب موضوعية تستوجب ذلك؛
وينطبق الأمر نفسه على ملفات التجزئات العقارية والمشاريع العمرانية ومدى احترامها للوثائق القانونية ودفاتر التحملات المعمول بها. فطرح الأسئلة بشأن هذه الملفات لا يعني اتهام المنعشين أو المسؤولين، وإنما يعني المطالبة بتطبيق قواعد المراقبة والتتبع التي يفترض أن تضمن احترام القانون وحماية حقوق المواطنين والمدينة والدولة. وإذا كانت المشاريع تحترم جميع الالتزامات القانونية والتقنية، فإن نتائج المراقبة الرسمية كفيلة بإزالة أي لبس أو تأويل. أما إذا كشفت المراقبة عن اختلالات، فإن القانون يجب أن يأخذ مجراه بعيدا عن الحسابات السياسية؛
كما أن الحديث المتداول عن بعض المعاملات العقارية التي قد تتم خارج الأطر المصرح بها، أو ما يصطلح عليه في التداول العام بـ”النوار”، يقتضي بدوره مقاربة مؤسساتية دقيقة، لأن الأمر، إذا ثبت وجود مخالفات، لا يتعلق فقط بمصالح الأطراف المتعاقدة، وإنما قد تكون له أيضا انعكاسات على الموارد الجبائية للدولة والجماعات وعلى مبدأ تكافؤ المعاملات واحترام القانون. ولذلك فإن المطلوب ليس إطلاق الاتهامات، وإنما تعزيز المراقبة الجبائية والقانونية والتأكد من أن المعاملات العقارية تتم وفق القواعد المعمول بها، وأن المستحقات العمومية تؤدى في إطار الشفافية؛
وتبرز، في السياق ذاته، مسألة تضارب المصالح باعتبارها من الملفات التي تستوجب أعلى درجات اليقظة. فالفاعل السياسي أو المنتخب أو المسؤول العمومي ينبغي أن يكون بعيدا عن أي وضعية يمكن أن تجعل المصلحة الخاصة تتقاطع مع القرار العمومي الذي يشارك في اتخاذه. غير أن إثارة هذا الموضوع ينبغي أن تتم بدورها وفق منطق قانوني قائم على الوقائع والوثائق، لا على الانطباعات أو الخصومات. فإذا كانت هناك حالة فعلية لتضارب المصالح، فإن المؤسسات المختصة مطالبة بالتعامل معها وفق القانون، وإذا لم تكن هناك حالة من هذا النوع، فإن من حق المعني بالأمر أن تظل سمعته بمنأى عن الاتهامات غير المؤسسة؛
فمبدأ المحاسبة لا ينبغي أن يتحول إلى أداة للانتقام السياسي، كما أن مبدأ الحماية القانونية لا ينبغي أن يتحول إلى ذريعة لتعطيل الرقابة. المطلوب هو توازن دقيق بين حماية سمعة الأشخاص واحترام قرينة البراءة من جهة، وضمان الشفافية وربط المسؤولية بالمحاسبة من جهة أخرى. وهذه المعادلة لا يمكن تحقيقها إلا من خلال مؤسسات رقابية وقضائية وإدارية مستقلة وفعالة، قادرة على فحص الملفات بناء على القانون والوثائق بعيدا عن الضغوط والاعتبارات الانتخابية؛
وفي خضم كل هذه النقاشات، يبقى السؤال الأكبر: ماذا عن شباب سوق السبت؟ ماذا عن فرص العمل والاستثمار؟ ماذا عن المشاريع الاقتصادية التي يمكن أن تخلق الثروة وتستوعب الطاقات المحلية؟ وماذا عن الشباب الذي بات يفكر في الهجرة، بما فيها الهجرة غير النظامية، بحثا عن مستقبل يعتقد أنه قد لا يجده داخل مدينته؟ إن هذه الأسئلة يجب أن تكون في صدارة أجندة كل منتخب وفاعل سياسي ومدني، لأن فشل التنمية لا يمكن تعويضه بالخطابات السياسية، كما أن الخصومات الانتخابية لا يمكن أن تخلق وظيفة واحدة لشاب يبحث عن عمل؛
إن نفور الشباب من الانتخابات والمشاركة السياسية لا ينبغي أن يقرأ فقط باعتباره عزوفا أو لا مبالاة، بل ينبغي أيضا أن يدفع الفاعلين إلى مراجعة طريقة اشتغالهم وخطابهم. فحين يرى المواطن أن السياسيين ينشغلون بالصراعات أكثر من انشغالهم بالحلول، وحين تتحول الخلافات إلى مشهد دائم، يصبح من الطبيعي أن تتراجع الثقة في المؤسسات وفي جدوى المشاركة السياسية. ولذلك فإن استعادة ثقة المواطنين، وخاصة الشباب، تمر عبر تقديم نتائج ملموسة، وإرساء ثقافة الشفافية، وإظهار أن المسؤولية الانتخابية ليست امتيازا شخصيا، وإنما تكليف عمومي مقرون بالمساءلة؛
لقد آن الأوان، بالنسبة إلى سوق السبت، للانتقال من منطق الصراع حول المواقع إلى منطق التنافس حول البرامج والنتائج. فإذا كان لدى أي طرف معطيات أو وثائق بشأن اختلالات محتملة، فليضعها أمام الجهات المختصة. وإذا كانت هناك شبهات حول ثروات أو تضارب مصالح أو مشاريع أو معاملات، فلتخضع للفحص القانوني. وإذا لم تثبت أي مخالفة، فليكن ذلك واضحا للرأي العام، حماية للأشخاص والمؤسسات معا. أما تحويل الملفات الحساسة إلى أدوات للتراشق السياسي، فلن يؤدي إلا إلى إضعاف الثقة وتشويه النقاش العمومي؛
فمدينة سوق السبت في حاجة اليوم إلى تنمية حقيقية، وإلى استثمارات منتجة، وإلى فرص شغل، وإلى حكامة جيدة، وإلى تدبير شفاف للشأن العام، وإلى مراقبة فعلية تحمي المال العام وتضمن احترام القانون. وهي في حاجة كذلك إلى معارضة مسؤولة لا تكتفي بالنقد، وإلى أغلبية لا تكتفي بالدفاع عن حصيلتها، وإلى مجتمع مدني يراقب ويقترح ويشارك، وإلى إعلام محلي مهني يضع مصلحة المواطن فوق الحسابات الشخصية والسياسية؛
وفي النهاية، فإن القاعدة التي ينبغي أن تحكم المرحلة بسيطة وواضحة: لا ينبغي اتهام أحد دون دليل، ولا ينبغي في المقابل تعطيل المساءلة عندما توجد معطيات تستوجب التحقق. لا ينبغي التشهير بالمسؤولين، كما لا ينبغي أن تكون المسؤولية العمومية مجالا محصنا من الرقابة. ولا ينبغي أن تتحول المحاسبة إلى انتقام سياسي، كما لا ينبغي أن يتحول النفوذ السياسي إلى حماية من المساءلة؛
فسوق السبت لا تحتاج إلى مزيد من المعارك السياسية بقدر ما تحتاج إلى أجوبة واضحة عن أسئلة التنمية والحكامة والشفافية والمساءلة. والمواطن لا يريد أن يعرف فقط من يخاصم من، وإنما يريد أن يعرف من يعمل من أجل المدينة، ومن يملك برنامجا لخلق فرص الشغل، ومن يحمي المال العام، ومن يقبل بالخضوع للمراقبة، ومن يستطيع أن يقدم الحساب أمام المؤسسات والرأي العام؛
فالمطلوب في نهاية المطاف ليس إسقاط الأشخاص، وإنما حماية المؤسسات؛ وليس التشهير بالأغنياء، وإنما التأكد، عبر الجهات المختصة، من مشروعية مصادر الثروة متى استدعت المعطيات ذلك؛ وليس صناعة الخصومات، وإنما صناعة التنمية. وفي دولة المؤسسات، تظل القاعدة الحاسمة أن البراءة لا تثبت بالصراخ، والإدانة لا تثبت بالإشاعة، وإنما الحقيقة تحسم بالدليل والقانون والمؤسسات.























