المنتخب ليس فوق النقد وكرة القدم لا تخشى الاختلاف بل تخشى مصادرة النقاش

هيئة التحرير17 يوليو 2026
المنتخب ليس فوق النقد وكرة القدم لا تخشى الاختلاف بل تخشى مصادرة النقاش

تاكسي نيوز – ك/ك

 

هناك حقيقة تميز المجتمعات الواثقة من مؤسساتها عن تلك التي تضيق بالنقاش العام لأن الفارق لا يظهر في لحظات النجاح، بل في الكيفية التي يدار بها الجدل عندما تتعثر النتائج، وكرة القدم، بما تحمله من رمزية تتجاوز حدود المستطيل الأخضر، ليست استثناء من هذه القاعدة؛

في المغرب، أصبح المنتخب الوطني أكثر من مجرد فريق رياضي، إنه أحد أبرز تجليات صورة البلاد الجديدة، وواجهة لمشروع كروي استطاع، خلال سنوات قليلة، أن ينتقل من منطق المشاركة إلى منطق المنافسة، وأن يرسخ مكانة المغرب بين كبار المنتخبات، غير أن كل مشروع ناجح يحمل في داخله مفارقة لا يمكن تجاهلها؛ كلما ارتفعت سقوف التطلعات، ضاق هامش التسامح مع الإخفاق؛

لهذا، فإن قراءة ردود فعل الجمهور بعد أي تعثر بمنطق الاتهام تبدو قراءة قاصرة لطبيعة المجتمعات الحية، فالجماهير لا تتصرف بوصفها مؤسسة تصدر تقارير تقييم، بل بوصفها شريكا عاطفيا في النتيجة، تمنح المنتخب ثقتها عندما ينتصر، وتطالبه بالمراجعة عندما يتعثر، وليس في ذلك تناقض، بل هو التعبير الأكثر صدقا عن قوة الانتماء؛

المشكلة لا تبدأ عندما ينتقد الجمهور أداء لاعب أو خيارات مدرب، وإنما عندما يتحول النقاش من تقييم الأداء إلى محاكمة النوايا، عندها يفقد الحوار معناه، ويصبح الاختلاف تهمة، ويغدو الرأي المخالف قرينة على ضعف الوطنية، وكأن المنتخب لا تحميه ثقة جمهوره، بل حصانة ضد النقد؛

هذه المقاربة لا تخدم أحدا، فالمنتخبات الكبرى لم تبن مكانتها لأن جماهيرها كانت تصفق باستمرار، وإنما لأنها جعلت من النقد الرصين أداة للتطوير، لا مناسبة لتصفية الحسابات أو معركة حول الهوية، أما المجتمعات التي تخلط بين المؤسسة والأشخاص، وبين المشروع والنتائج الظرفية، فإنها تنتهي، في الغالب، إلى إضعاف الاثنين معا؛

ولا خلاف حول أن المغرب يقف اليوم أمام مرحلة مفصلية، فتنظيم كأس العالم 2030 ليس مجرد موعد رياضي، بل اختبار لقدرة المملكة على تدبير مشروع متعدد الأبعاد، يمتد من البنيات التحتية إلى الصورة الدولية، ومن الاستثمار إلى الرأسمال البشري، كما أن المنافسة على استقطاب المواهب المغربية المنتشرة عبر العالم أصبحت جزءا من سباق دولي لا يعترف بالعواطف وحدها؛

غير أن حماية هذا المشروع لا تكون بإغلاق المجال العمومي، ولا بتحويل وسائل التواصل إلى ساحات للتخوين، بل ببناء مناخ يشعر فيه الجميع بأن المنتخب يمثل جميع المغاربة، وأن مساءلة أدائه حق مشروع لا ينتقص من الانتماء إليه، فالمؤسسات الواثقة لا تخشى النقد، لأنها تدرك أن هناك فرقا واضحا بين الإساءة التي يرفضها القانون والأخلاق، وبين الرأي الذي يحكمه الاحترام والمسؤولية؛

إن أخطر ما يمكن أن يصيب أي مشروع وطني ليس ارتفاع الأصوات الناقدة، بل ترسخ الاعتقاد بأن التعبير عن الرأي أصبح مخاطرة، عندها لا تختفي الاعتراضات، وإنما تغادر الفضاء العمومي إلى الاحتقان الصامت، وهو وضع لا يخدم المؤسسة، ولا الجمهور، ولا المشروع نفسه؛

في النهاية، لا يحتاج المنتخب الوطني إلى جمهور صامت، كما لا يحتاج إلى أصوات تتغذى على التوتر، ما يحتاجه هو علاقة ناضجة، أساسها الثقة المتبادلة، والإيمان بأن التشجيع لا يلغي حق النقد، وأن النقد لا ينفي الانتماء؛

فالمنتخبات التي تصنع التاريخ ليست تلك التي تمنع الجدل، بل تلك التي تحسن إدارته، وتحوله إلى قوة تدفعها نحو مزيد من التطور، أما الجمهور، فسيظل دائما جزءا من الحل، لا المشكلة، لأنه ليس خصما للمنتخب، بل صاحبه الأول، وشريكه الدائم في كل انتصار وكل عثرة.

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

الاخبار العاجلة