تكشف بعض المشاهد البرلمانية بالمغرب عن انحراف مقلق بالنقاش السياسي عن أهدافه الدستورية، حين تتحول مناقشة البرنامج الحكومي ومشروع قانون المالية إلى تبادل الاتهامات والمزايدات والعبارات من قبيل «دقيتي عليا ندق عليك» و«مالنا على شي مرصاد ما مرصاد». فالبرلمان ليس حلبة لتصفية الحسابات الحزبية، بل مؤسسة دستورية للتشريع ومراقبة العمل الحكومي وتقييم السياسات العمومية. ومن ثم، فإن استبدال لغة الحجة بمنطق الخصومة يمس بجودة النقاش المؤسساتي، ويضعف ثقة المواطنين في ممثليهم، الذين يفترض أن يجعلوا المصلحة العامة فوق كل اعتبار سياسي أو انتخابي.
إن استمرار منطق الحملات الانتخابية داخل المؤسسة التشريعية يعكس صعوبة انتقال بعض الفاعلين من التنافس على الأصوات إلى تحمل مسؤولية تدبير الشأن العام. فالأغلبية مطالبة بالدفاع عن اختياراتها بالمعطيات والنتائج، والمعارضة مطالبة بممارسة رقابة مسؤولة تستند إلى النقد الموضوعي والبدائل الواقعية. أما تحويل الاختلاف إلى سجال شخصي، فيفرغ العمل البرلماني من مضمونه الرقابي والتشريعي. فالدستور لا يمنح أي طرف تفويضا للمزايدة أو تعطيل النقاش الجاد، بل يفرض منطق المسؤولية والمحاسبة واحترام المؤسسات، ويجعل التنافس السياسي وسيلة لخدمة الوطن، لا غطاء لتصفية الحسابات الحزبية الضيقة.
وفي المقابل، تظل الأولويات الاجتماعية والاقتصادية أكثر إلحاحا من الصراعات اللفظية، في ظل تطلعات المواطنين إلى تحسين القدرة الشرائية، وتوفير فرص الشغل، وتجويد الخدمات الصحية والتعليمية، وتحقيق العدالة المجالية. فقانون المالية ليس مجرد وثيقة محاسباتية، بل أداة لتوجيه الموارد وترجمة الاختيارات الحكومية إلى إجراءات ملموسة، كما أن البرنامج الحكومي لا تقاس قيمته بالوعود والخطابات، بل بمدى تنفيذ الالتزامات وتحقيق النتائج. وعليه، فإن إهدار الزمن البرلماني في التراشق السياسي يمثل تقصيرا في أداء الوظيفة التمثيلية، ويؤخر مناقشة الحلول الضرورية لمعالجة الأزمات التي تمس الحياة اليومية للأسر المغربية.
إن استعادة الثقة في المؤسسات تقتضي الارتقاء بالخطاب البرلماني، واحترام القواعد المنظمة للعمل التشريعي، وتفعيل الرقابة والمساءلة وربط الوعود بالنتائج. فالمسؤولية السياسية لا تنتهي بانتهاء الانتخابات، والتفويض الشعبي ليس شيكا على بياض، بل التزام قانوني وأخلاقي تجاه المواطنين. وإذا كان الاختلاف ركيزة أساسية للديمقراطية، فإن تحويله إلى خصومة شخصية يسيء إلى الممارسة السياسية ويعمق فجوة الثقة بين المجتمع والنخب. لذلك، فإن هيبة البرلمان لا تصان بعلو الأصوات، بل بجودة الأداء ونجاعة التشريع وصدق الالتزام. فالمواطن لا ينتظر من ممثليه استعراض القوة اللفظية، وإنما ينتظر قرارات عادلة وحلولا عملية تنعكس إيجابا على معيشه اليومي.




