تاكسي نيوز -ك/ك
أثارت الاحتفالات المبالغ فيها التي أعقبت فوز عدد من المنتخبين بمقاعد برلمانية خلال تشريعيات 23 شتنبر 2026، في عدد من المناطق، ولا سيما القرى والمداشر والهوامش، نقاشا مشروعا حول دلالات هذا النوع من التعبير الاحتفالي وحدوده. فحين تمتد الأهازيج والمواكب والاحتفالات بصورة توحي بأن مجرد الفوز الانتخابي أنهى تراكمات عقود من الخصاص، يصبح من الضروري التمييز بين حق المواطنين في الفرح والتهنئة، وبين تحويل نتيجة انتخابية إلى صورة توحي بتحقق مطالب تنموية لا تزال قائمة، من طرق وكهرباء واتصالات ومرافق صحية ومدارس وخدمات أساسية.
فالانتخاب، في جوهره، ليس نهاية لمسار المطالب، وإنما بداية لمسؤولية مؤسساتية تفرض على الفائز احترام طبيعة التفويض الذي منحه له الناخبون. والمقعد البرلماني ليس تشريفا شخصيا ولا وسيلة لتحقيق المطالب المحلية بشكل مباشر، بل هو تكليف عام تحكمه اختصاصات دستورية وقانونية محددة. ومن ثم، فإن الاحتفاء بالفوز ينبغي أن يظل في حدود التهنئة والتعبير المشروع عن الثقة، دون أن يتحول إلى اعتقاد جماعي بأن واقع المنطقة قد تغير بمجرد إعلان النتائج، أو أن المنتخب أصبح قادرا على معالجة ملفات مرتبطة باختصاصات قطاعات ومؤسسات متعددة.
وتزداد أهمية هذا التمييز في المناطق التي تعاني أصلا من خصاص واضح في البنيات والخدمات الأساسية، حيث تكون انتظارات الساكنة أكبر من أن تختزل في لحظة انتخابية عابرة. فالنائب البرلماني يمارس اختصاصاته من داخل المؤسسة التشريعية، عبر التشريع ومراقبة العمل الحكومي وتوجيه الأسئلة الكتابية والشفهية واثارة القضايا التي تهم المواطنين، بينما يظل تنفيذ المشاريع العمومية رهينا بالبرامج والاعتمادات والقرارات والمساطر الخاصة بكل قطاع. لذلك فإن اختزال التنمية المحلية في شخص المنتخب البرلماني، أو انتظار حلول فورية منه، يمثل فهما غير دقيق لطبيعة النظام المؤسساتي ولحدود المسؤولية البرلمانية.
فالتهنئة بالفوز حق مشروع، والاحتفال به تعبير طبيعي عن الفرح والثقة، غير أن المبالغة فيه قد تكشف، في المقابل، عن حاجة ملحة إلى ترسيخ وعي أكبر بطبيعة التمثيل السياسي وحدود الوظيفة الانتخابية. فالقيمة الحقيقية للفوز لا تقاس بعدد الأهازيج ولا بطول مواكب الاحتفال، وإنما بما سيلي ذلك من ممارسة مسؤولة، ونقل فعلي لانشغالات الساكنة، وتتبع للملفات، ومساءلة للجهات المختصة، واحترام للحدود التي رسمها القانون لكل مؤسسة. وبين لحظة الفرح بنتائج الاقتراع وواقع الانتظارات اليومية، يبقى الامتحان الحقيقي للمنتخب هو قدرته على تحويل الثقة الانتخابية إلى عمل مؤسساتي قابل للمساءلة، لا إلى احتفال يوحي بأن جميع المشاكل قد وجدت طريقها إلى الحل.























