تاكسي نيوز -ك/ك
يرى الأستاذ المحامي محمد الغلوسي، رئيس جمعية حماية المال العام، أن بعض الأصوات التي ترفع اليوم شعارات مواجهة الفساد وتضارب المصالح والريع، هي نفسها التي ساهمت، بحسب تقديره، في توفير الشروط التي سمحت بتغول هذه المظاهر وتعميق أزمة الثقة في المؤسسات والأمل في المستقبل. وفي تدوينة نشرها على صفحته بموقع فيسبوك، انتقد الغلوسي ما اعتبره رفضا لتجريم الإثراء غير المشروع وتضارب المصالح، وعدم تنفيذ الاستراتيجية الوطنية لمكافحة الفساد، إلى جانب رفض الرفع من الحد الأدنى للأجر، في سياق وصفه بارتفاع الأسعار واتساع الفوارق الاجتماعية وتركيز الثروة في يد أقلية، مقابل معاناة فئات واسعة من الفقر والبطالة. واعتبر أن مشاهد الهجرة الجماعية نحو سبتة المحتلة شكلت، في قراءته، صرخة احتجاجية في وجه هذه السياسات والبرامج.
وفي قراءة الغلوسي، لا تختزل تلك المشاهد في مجرد هجرة أو رغبة في مغادرة البلاد، وإنما تمثل بطاقة حمراء في وجه نخبة ومسؤولين يتهمهم بخدمة مصالحهم على حساب التنمية والكرامة والعدالة. كما انتقد ما اعتبره تركيزا لحضور العائلة داخل المشهد السياسي، مستحضرا شعاري “خيرنا ما يديه غيرنا” و”الصدقة في المقربين أولى”، ومحذرا من استمرار ما يصفه بالضغط على جهود الإصلاح وعرقلة شروط الإقلاع، رغم توفر المغرب، حسب رأيه، على مقومات النهوض. ويرى رئيس جمعية حماية المال العام أن المرحلة تقتضي استخلاص الدروس من مظاهر الاحتقان وفقدان الثقة، خصوصا في ظل تحديات داخلية وخارجية، داعيا إلى اتقاء الله في البلد وعدم جعل المصالح الضيقة عائقا أمام تحقيق التنمية والعدالة وربط المسؤولية بالمحاسبة؛
كما وجه الغلوسي انتقادات إلى ما يعتبره تضييقا على الأصوات التي تفضح الفساد وزواج السلطة بالمال، متهما من ينتقدهم باستعمال المواقع والنفوذ لترهيب فاضحي الفساد والتضييق على نشاطهم، وباستعمال القضاء، بحسب تقديره، للانتقام منهم. ويتحدث كذلك عن حرمان جمعيات جادة من وصولات الإيداع وخنق حرية الرأي والتعبير، معتبرا أن بعض الجمعيات المدنية تعرضت للضيق بسبب مطالبتها بمكافحة الفساد والقطع مع الإفلات من العقاب ووضع حد لتضارب المصالح والإثراء غير المشروع وتخليق الحياة العامة. ويقول إن ما يثير انزعاج هؤلاء، في تقديره، ليس تغول الفساد ونهب المال العام وغلاء الأسعار واستغلال السلطة لتراكم الثروة، وإنما المجتمع المدني اليقظ والأصوات والأقلام الحرة التي تواصل مساءلة السلطة والمطالبة بالإصلاح؛
ويمتد انتقاد الغلوسي إلى المجال التشريعي، حيث يعتبر أن جهات ينتقدها هندست التشريع على المقاس ووظفت المؤسسة التشريعية لخدمة مصالحها، مستحضرا في هذا السياق قانون الإضراب وقوانين الصحافة والمسطرة المدنية وقانون المحاماة، إضافة إلى قانون المسطرة الجنائية. كما يعتبر أن تمرير المادتين 3 و7 من قانون المسطرة الجنائية من شأنه، بحسب تقديره، كبح أي تحول مجتمعي ومؤسساتي يمكن أن يساهم في مواجهة الفساد والرشوة والريع وتعزيز مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة. وبالنسبة إليه، فإن استمرار هذا التوجه لا ينبغي أن يتواصل، لأنه يشكل خطرا على المستقبل، في وقت يواجه فيه المغرب، وفق قراءته، تحديات كبيرة داخليا وخارجيا وخصوما يتربصون به؛
وفي ختام موقفه، دعى الغلوسي إلى جعل الانتخابات آلية للمحاسبة والتغيير، مطالبا جميع المسجلين في اللوائح الانتخابية بالتوجه إلى صناديق الاقتراع بشكل واع ومسؤول، واختيار الكفاءات والأشخاص الذين تتوفر فيهم، بحسب معاييره، النزاهة والصدق والإخلاص والكفاءة والشجاعة والاستقلالية في الرأي. ويحذر من أن المقاطعة واللامبالاة قد تفتحان المجال أمام استمرار النهج والسياسات نفسها، معتبرا أن عدم المشاركة يمنح الفرصة لمن يريد استمرار الوضع القائم. ويخلص إلى أن مسؤولية المستقبل جماعية، وأن المغرب يحتاج، في تقديره، إلى ترجمة الإرادة الجماعية عبر المشاركة الواعية وربط المسؤولية بالمحاسبة، داعيا المواطنين إلى عدم ترك مستقبلهم رهينة لما وصفهم بالمتربصين بالحلم الجماعي.























