تاكسي نيوز -ك/ك
لم يعد ما يجري داخل الأغلبية الحكومية مجرد تباين في المواقف. فالمشهد تجاوز ذلك بكثير. وزراء ومسؤولون من أحزاب تجلس معا حول طاولة الحكومة، يتبادلون الاتهامات والتبريرات، وكل طرف يبحث عن مخرج سياسي من ملفات أثقلت جيوب المواطنين وأحرجت الحكومة أمام الرأي العام. وعندما يصل الأمر إلى ملفات من قبيل الأسعار والقدرة الشرائية وتدبير أضاحي العيد، فإن المسألة لا تعود مجرد “سجال انتخابي”. إنها تصبح امتحانا للمسؤولية السياسية. فالحكومة لا يمكن أن تكون موحدة عندما يتعلق الأمر بتقديم نفسها صاحبة الإنجازات، ثم تتحول إلى جزر متصارعة عندما يتعلق الأمر بالإخفاقات. لا يمكن لوزير أن يرفع المسؤولية عن نفسه ويلقيها على شريك يجلس معه في الحكومة نفسها، ثم يعود الجميع إلى المجلس الحكومي وكأن شيئا لم يحدث. هنا بالضبط تبدأ أزمة الخطاب. وهنا أيضا يبدأ ارتباك المسؤولية.
الأكثر إثارة أن بعض مكونات الأغلبية بدأت تخوض الانتخابات المقبلة بخطاب يكاد يجعلها في موقع المعارضة للحكومة التي تشارك فيها. تنتقد ما كان عليها أن تدافع عنه، وتعد بإصلاح ما كانت شريكة في تدبيره، وتقدم نفسها باعتبارها حاملة للحلول لمشكلات لم تنزل من السماء، بل كانت مطروحة على طاولة الحكومة طوال الولاية. هذه ليست فقط مفارقة انتخابية. إنها معضلة سياسية. فمن حق الحزب أن ينافس حلفاءه، ومن حقه أن يختلف معهم، لكن ليس من حقه سياسيا أن يتصرف وكأنه لم يكن جزءا من القرار عندما يحين وقت الحساب. المسؤولية الحكومية ليست ثوبا يلبس عند توزيع الإنجازات وينزع عند توزيع الإخفاقات. والناخب ليس ساذجا إلى درجة أن يصدق رواية تقول إن الحكومة كانت ناجحة جماعيا عندما كانت الشعبية مرتفعة، ثم يصبح لكل حزب سجل مستقل عندما تظهر فاتورة الغلاء وضغط المعيشة. المواطن يريد جوابا بسيطا: من قرر؟ ومن دافع؟ ومن يتحمل المسؤولية؟
أما المجلس الحكومي المقبل، فقد يجد نفسه أمام اختبار أكثر حساسية من مجرد المصادقة على جدول أعمال أو دراسة مشاريع ومراسيم. سيكون عليه أن يستعيد معنى التضامن الحكومي في وقت بدأ فيه الخطاب السياسي يمزق هذا التضامن أمام الرأي العام. فالوزير الذي يهاجم تدبيرا حكوميا أو يحمل قطاعا آخر مسؤولية أزمة معينة لا يستطيع أن يمحو تصريحه بمجرد دخوله قاعة الاجتماع. الكلام السياسي له كلفة. والاتهام له تبعات. وإذا كانت الخلافات حقيقية، فمكانها الطبيعي هو المؤسسات، حيث يمكن مناقشتها بالحجة والمعطيات وتحمل نتائجها. وإذا كانت مجرد مناورة انتخابية، فالمشكلة أخطر، لأن ذلك يعني أن ملفات تمس معيش المواطنين تحولت إلى أدوات لتوزيع الأدوار واستثمار الغضب الشعبي. وفي الحالتين، فإن صورة الحكومة تدفع الثمن. فمن الصعب إقناع المواطن بأن الأغلبية منسجمة تماما، بينما يسمع من بعض مكوناتها خطابا يوحي بأن كل حزب يقف في الجهة المقابلة للآخر؛
الأشد خطورة أن تتحول هذه الموجة من التراشق إلى ثقافة سياسية. فحين يصبح تحميل الآخر المسؤولية أسهل من الاعتراف بالتقصير، وحين تصبح السخرية أكثر حضورا من الأرقام، وحين تتحول الملفات الاجتماعية إلى ذخيرة انتخابية، فإن النقاش العمومي يفقد جوهره. المواطن لا يحتاج إلى مباراة في البلاغة ولا إلى حرب تصريحات بين الوزراء. يحتاج إلى أسعار معقولة، وسياسات واضحة، وحصيلة قابلة للقياس، ومسؤولين يملكون شجاعة الاعتراف بما نجح وما فشل. أما أن يتبادل وزراء الأغلبية الاتهامات أمام الرأي العام، ثم يطلبوا من المواطن أن يصدق أن الخلاف مجرد تفاصيل، فذلك يفتح الباب أمام السخرية من السياسة نفسها. والأخطر أن الناخب قد لا يميز بعد ذلك بين الاختلاف الديمقراطي والمزايدة الانتخابية. وبين النقد المشروع والتنصل من المسؤولية. وحين تضيع هذه الحدود، تخسر المؤسسات أكثر مما يربحه أي حزب من معركة انتخابية عابرة؛
لذلك فإن المجلس الحكومي المقبل سيكون، سياسيا، تحت المجهر. ليس لأن المواطن ينتظر تسريبات جديدة، وإنما لأنه يريد أن يعرف أي أغلبية ستجلس إلى الطاولة: أغلبية الحكومة أم أغلبية الانتخابات؟ هل سيجلس الوزراء باعتبارهم شركاء في مسؤولية واحدة، أم سيحمل كل واحد منهم في جعبته ما قاله ضد الآخر خارج المجلس؟ وهل ستختفي الاتهامات بمجرد إغلاق أبواب القاعة، أم ستظهر آثارها في النقاش والقرارات؟ هنا تكمن المفارقة الكبرى. فالمواطن الذي يسمع يوميا اتهامات متبادلة قد يجد نفسه أمام حكومة تعارض نفسها بنفسها، وأحزاب تتنافس مع نفسها، ووزراء يوزعون المسؤولية كما توزع الأدوار في مسرحية انتخابية. وربما لهذا السبب تحديدا يتصاعد السؤال الأكثر إحراجا: إذا كان المواطن هو صاحب القرار النهائي في صناديق الاقتراع، فلماذا لا تكون المسؤولية واضحة أمامه منذ الآن؟ فإما أن تكون هذه الأغلبية قادرة على تحمل حصيلتها كاملة، أو أن عليها أن تفسر للمغاربة كيف تحولت الحكومة من فريق واحد إلى معارضة لنفسها.























