تاكسي نيوز
في خطوة تعكس حجم النقاش السياسي والمؤسساتي داخل المجلس الجماعي لسوق السبت، وقع عدد من المستشارين المنتمين إلى الأغلبية والمعارضة عريضة تتضمن مجموعة من الأسئلة المرتبطة بالشأن المحلي، وفي مقدمتها ما يتعلق بما تم إنجازه إلى حدود الساعة في مشروع تهيئة عدد من شوارع المدينة، إلى جانب قضايا أخرى تنتظر توضيحات رسمية من رئاسة الجماعة.
وتكتسي هذه المبادرة أهمية خاصة لكونها صادرة عن منتخبين يفترض أن يمارسوا، كل من موقعه، وظيفة التتبع والمراقبة، غير أن النقاش حول مضمون العريضة وما رافقها من حديث عن احتمال سحب بعض التوقيعات، وما تردد من تأويلات متباينة بشأن خلفياتها، يفرض الاحتكام إلى المعطيات الرسمية والوثائق بدل ترك المجال مفتوحا أمام الإشاعات والاستنتاجات السياسية؛
وبالنظر إلى أن الأمر يتعلق بأشغال ممولة من المال العام، فإن جوهر النقاش لا ينبغي أن ينحرف نحو الاصطفافات السياسية أو التراشق بين مختلف الأطراف، بل يجب أن ينصب أساسا على مدى احترام المشاريع المنجزة للمعايير التقنية والقانونية المعمول بها، وعلى كيفية تدبير الاعتمادات المرصودة لها، وجودة الأشغال المنفذة ومدى مطابقتها للدفاتر والوثائق التعاقدية ذات الصلة. كما أن الصور المتداولة عبر مواقع التواصل الاجتماعي، والتي تثير ملاحظات بشأن جودة التزفيت، لا يمكن اعتبارها في حد ذاتها دليلا حاسما على وجود اختلال، كما لا يجوز تجاهلها، وإنما ينبغي إخضاعها للمعاينة والخبرة التقنية والوثائقية من الجهات المختصة، بما يسمح بالفصل بين الملاحظة الموضوعية والانطباع أو التوظيف السياسي؛
وفي ظل تعدد الأسئلة وتضارب المعطيات المتداولة، يبدو أن المخرج الأكثر مسؤولية هو الانتقال من سجال التصريحات والتأويلات إلى التحقق الميداني والمؤسساتي، من خلال إيفاد لجنة تقنية أو مركزية مختصة، وفق الاختصاصات والمساطر القانونية، للوقوف على مختلف مراحل الأشغال، وفحص مدى مطابقتها للمعايير التقنية المعتمدة، ومراجعة الوثائق المرتبطة بالصفقة أو المشروع، بما فيها المواصفات التقنية ومحاضر التتبع والاستلام، مع تحديد المسؤوليات عند ثبوت أي إخلال. كما أن أي حديث عن سحب توقيعات من العريضة ينبغي أن يحسم فيه حصرا بالوثيقة الرسمية وبالجهة المخولة قانونا، تفاديا لتحويل معطى إجرائي إلى مادة للتجاذب السياسي أو لتغذية التأويلات؛
وفي نهاية المطاف، فإن القضية لا ينبغي أن تختزل في صراع بين أغلبية ومعارضة، ولا في سؤال من وقع ومن تراجع، وإنما في سؤال أكثر جوهرية: ماذا أنجز فعليا في شوارع مدينة سوق السبت، وبأي كلفة، وبأي جودة، وهل تمت الأشغال وفقا للمعايير والالتزامات التعاقدية والقانونية؟ فالأموال العمومية تفرض أعلى درجات التدقيق والشفافية، والمواطن من حقه أن يعرف حقيقة المشاريع التي تمول من مساهماته، كما أن المنتخبين والسلطات المختصة مطالبون بتقديم أجوبة واضحة وقابلة للتحقق. وحده هذا المسار كفيل بتحويل العريضة من مادة للصراع السياسي إلى فرصة لترسيخ مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة، وحماية المال العام، ووضع المصلحة المحلية فوق الحسابات الانتخابية والسياسية.























