ف. المصطفى / تاكسي نيوز
تشكل بداية كل سنة جامعية محطة مفصلية في مسار الطلبة الجدد، غير أنها بالنسبة للعديد من أبناء المناطق الجبلية والنائية، بأعالي جبال بني ملال، خنيفرة وأزيلال، تتحول إلى تجربة محفوفة بالمعاناة والقلق حيث أن الانتقال من بيئة قروية قائمة على اقتصاد معيشي بسيط إلى وسط حضري يتطلب مصاريف يومية جائرة، يضع ميزانية الأسر المحدودة أمام اختبار عسير لتدبير نفقات الكراء والتغذية والتنقل، ما يولد ضغطا نفسيا وماديا يربك الاستقرار الأكاديمي للطالب منذ خطواته الأولى.
وتتجلى أبعاد هذه المعاناة بشكل صارخ في قطاع السكن الذي أضحى بؤرة لاستغلال حاجة الطلبة، وخاصة بمحيط المجمع الجامعي “امغيلة”، ففي ظل الغياب التام لتدخل الجهات الوصية لفرض تسقيف لأثمنة الكراء، يخضع السوق الخاص لسلسلة من المضاربات العشوائية والأسعار المرتفعة التي تتجاوز الشروط المعقولة والقدرة الشرائية لأسر الدخل المحدود؛ هذا الجشع العقاري يدفعه الطلبة من كرامتهم وصحتهم، حيث يضطرون للتكتل بأعداد غفيرة داخل شقق ضيقة تفتقر لأبسط شروط السلامة والهدوء الضروري للاستذكار.
وجدير بالذكر أن هذا الوضع يتفاقم جراء الفجوة الشاسعة بين النمو المتسارع لمؤسسات جامعة السلطان مولاي سليمان والطاقة الاستيعابية المحدودة للأحياء الجامعية، مما ينتج عنه اكتظاظ حاد وضغط لوجستي ونفسي ينتهي غالبا بالتعثر الأكاديمي، لذلك فإن الثمن الباهظ لهذا الخلل لا يتوقف عند معاناة يومية، بل ينعكس مستقبلا في ارتفاع معدلات الهدر الجامعي والانسحاب النهائي؛ فعندما يعجز الطالب عن تحمل تكاليف العيش، يتحول انقطاعه من مجرد فشل فردي إلى ضياع كفاءات وطنية واعدة وإعادة إنتاج لدورة الفقر والتهميش داخل المناطق الجبلية.
و لضمان عدم تحول التعليم العالي بجهة بني ملال خنيفرة من رافعة للارتقاء الاجتماعي إلى مصدر إضافي للتهميش، أضحت الحاجة ملحة لتبني إجابات حازمة وحلول جذرية تتلخص في:
– تنظيم وتأطير السوق الكرائي والتدخل العاجل للجهات الوصية والسلطات المختصة لفرض تسقيف قانوني لأثمنة الكراء بمحيط المجمع الجامعي، لحماية الطلبة من جشع الوسطاء و المضاربات العشوائية.
– توسيع الطاقة الاستيعابية عن طريق تأسيس لمشاريع إيواء جديدة عبر بناء أحياء جامعية إضافية وتوسيع الملحقات السكنية لتستوعب التدفقات الطلابية المتزايدة.
– دعم السكن المستقل عبر إبرام شراكات استراتيجية بين الجامعة والمجالس المنتخبة لتقديم دعم كرائي مباشر وموجه لطلبة المناطق النائية والأشد فقرا.
– التصدي لجشع بعض أصحاب المنازل الذين اصبحوا يفرضون أثمنة خيالية على الطلبة والمواطنين بصفة عامة فلا يعقل بيت أصبح ثمنه مابين 1000 و 1500 درهم وشقة من بيتين تفوق 1500 درهم في الأحياء المجاورة للحافلات وللكليات ببني ملال.
























كان حريّا بمسؤولي تدبير الشأن العام بالجهة، من مجلس الجهة والمجلس الإقليمي والجماعات الترابية، الذين نراهم اليوم في حملة محمومة سابقة لأوانها، يجوبون المدن والقرى والمداشر لتسويق وتلميع صورة سياسية اعتراها الصدأ بفعل غيابهم الطويل عن الجماهير، أن يفكروا في إنشاء مشاريع سكنية مخصصة للطالبات والطلبة الوافدين من الأقاليم والمناطق القروية إلى جامعات ومعاهد الجهة، بما يوفر لهم الاستقرار النفسي والمادي خلال مسيرتهم الدراسية.
لكن، للأسف، يبدو أن الاستثمار في الطالب والطالبة يأتي في آخر اهتمامات بعض مسؤولي تدبير الشأن العام، بينما تحظى المهرجانات والأنشطة التي تُرصد لها ميزانيات مهمة من المال العام بأولوية أكبر لدى هذه النخبة السياسية.