تاكسي نيوز
تتسع في سوق السبت أولاد النمة دائرة المطالب بفتح تحقيق جدي ومستقل حول أشغال تهيئة الطرق الجارية حاليا على مستوى شارعين بالمدينة، وذلك على خلفية تساؤلات متزايدة تطرحها فعاليات مدنية وحقوقية ومتابعون للشأن المحلي بشأن مدى استجابة الأشغال المنجزة إلى المعايير التقنية المعتمدة، ومدى تقيدها بما هو منصوص عليه في دفتر التحملات والوثائق التعاقدية المؤطرة للمشروع؛
ولا يتعلق الأمر، وفق المطالب المطروحة، بمجرد ملاحظات عابرة مرتبطة بطريقة تنفيذ الأشغال، وإنما بدعوة صريحة إلى إخضاع المشروع لافتحاص تقني وقانوني دقيق، تتولاه لجنة مركزية مختصة ومحايدة، تكون مهمتها الوقوف ميدانيا على طبيعة الأشغال المنجزة إلى حدود الساعة، والتحقق من مدى مطابقتها للمواصفات التقنية وشروط السلامة والجودة، فضلا عن فحص مختلف مراحل الإنجاز والمواد والتقنيات المعتمدة في تنفيذ المشروع؛
وتطالب أصوات محلية بضرورة التعامل مع هذا الملف بمنطق المسؤولية المؤسساتية، باعتبار أن مشاريع البنيات التحتية والطرق لا تقاس فقط بما يظهر للعيان عند انتهاء الأشغال، وإنما بما تستجيب له من شروط تقنية ومعايير جودة تضمن استدامتها وقدرتها على تحمل الاستعمال والعوامل الطبيعية، وتحول دون ظهور عيوب أو اختلالات بعد فترة وجيزة من وضعها رهن إشارة المواطنين؛
وفي هذا السياق، تبرز أهمية إجراء افتحاص تقني قبل اكتمال الأشغال، وليس بعد انتهائها، حتى تتمكن الجهة المختصة من معاينة مختلف مراحل التنفيذ والتحقق من مدى احترام الالتزامات الواردة في دفتر التحملات، بما في ذلك طبيعة المواد المستعملة، سمك الطبقات، طرق التهيئة، جودة الإنجاز، شروط التصريف والسلامة، ومدى مطابقة الأشغال لما هو محدد في الدراسات والوثائق التقنية المرتبطة بالمشروع؛
وتشدد الفعاليات المطالبة بالتحقيق على أن أي مراقبة جدية ينبغي ألا تكتفي بالمعاينة البصرية للأشغال، بل يتعين أن تستند إلى خبرة تقنية ميدانية وقياسات واختبارات عند الاقتضاء، مع الرجوع إلى الوثائق التعاقدية والتقنية للمشروع، ومقارنة ما تم إنجازه فعليا بما تم الالتزام به في دفتر التحملات والتصاميم والدراسات المعتمدة؛
كما أن فتح هذا النوع من التحقيق، بحسب المطالب ذاتها، لا ينبغي أن يفهم باعتباره إدانة مسبقة لأي طرف، وإنما كإجراء احترازي تفرضه طبيعة المشاريع العمومية وحجم المسؤولية المرتبطة بالمال العام وسلامة المواطنين وجودة المرافق والتجهيزات التي تنجز لفائدتهم؛
فالقاعدة التي يفترض أن تحكم مثل هذه المشاريع واضحة: لا يكفي إنجاز الطريق، بل يجب أن يكون الإنجاز مطابقا للمواصفات، وأن تكون الجودة قابلة للإثبات تقنيا، وأن تكون المسؤوليات محددة، وأن تتوفر للعموم والجهات الرقابية المعنية المعطيات التي تسمح بتقييم المشروع على أساس موضوعي، بعيدا عن الانطباعات أو المواقف المسبقة؛
ومن هنا، تبدو الدعوة إلى إيفاد لجنة تحقيق مركزية ذات اختصاص تقني خطوة كفيلة بوضع حد لأي جدل أو تأويل، من خلال الانتقال من مستوى التساؤلات والملاحظات المتداولة إلى مستوى التحقق الميداني الموثق، فإذا أثبتت الخبرة مطابقة الأشغال للمعايير ودفتر التحملات، فإن ذلك سيضع حدا للتشكيك ويعزز الثقة في المشروع، أما إذا كشفت المعاينات والاختبارات عن نواقص أو اختلالات، فإن منطق المسؤولية يقتضي تحديدها وترتيب الآثار القانونية والتقنية المترتبة عنها وفق القوانين والأنظمة الجاري بها العمل؛
وتكتسي المطالبة بالتحقيق أهمية أكبر بالنظر إلى أن الأشغال لم تستكمل بعد، وهو ما يجعل المرحلة الحالية فرصة مناسبة لإجراء مراقبة تقنية دقيقة قبل الوصول إلى مرحلة التسليم النهائي، فالمراقبة القبلية والمرحلية تظل، في مشاريع البنية التحتية، أكثر نجاعة من انتظار ظهور عيوب بعد انتهاء الأشغال، حين تصبح معالجة الاختلالات أكثر تعقيدا وكلفة؛
كما أن احترام دفتر التحملات لا ينبغي أن يظل مجرد التزام تعاقدي بين صاحب المشروع والجهات المنفذة، بل هو معيار أساسي للحكم على مدى سلامة استخدام الموارد العمومية ونجاعة المشروع ومدى استفادة المواطنين من بنية تحتية تستجيب فعليا للمعايير المطلوبة؛
وفي ظل هذه المطالب، ينتظر متابعون للشأن المحلي أن تتعامل الجهات المختصة مع الموضوع بالجدية اللازمة، وأن يتم الاحتكام إلى الخبرة التقنية والوثائق الرسمية والمعايير القانونية، بعيدا عن الحسابات السياسية أو الاصطفافات المحلية، فالطريق العمومي ملك مشترك، وتمويله مسؤولية عمومية، وجودته ليست امتيازا لأحد، وإنما حق للمواطن وواجب على المؤسسات والجهات المتدخلة؛
وفي نهاية المطاف، فإن السؤال المطروح في سوق السبت أولاد النمة لا ينبغي أن يكون من انتقد الأشغال ومن دافع عنها، وإنما: هل ما تم إنجازه إلى حدود الساعة مطابق فعلا لما تنص عليه الوثائق التقنية ودفتر التحملات؟ وهل تتوفر الأشغال المنجزة على مقومات الجودة والسلامة والاستدامة التي يفترض أن تتوافر في مشروع ممول من المال العام؟
الإجابة عن هذه الأسئلة لا ينبغي أن تترك للتقديرات والانطباعات، وإنما يفترض أن تقدمها لجنة تقنية مستقلة، عبر افتحاص ميداني موثق وشفاف، بما يضمن حماية المال العام، وصون حق المواطنين في بنية تحتية سليمة، وتحديد المسؤوليات على أساس نتائج تقنية وقانونية واضحة؛
ذلك أن جودة الطريق لا تختبر بالصور ولا بالمواقف، وإنما بالمعايير والاختبارات والوثائق. وأي مشروع عمومي لا يستقيم إلا بقدر ما يستجيب فعليا لما التزم به في دفتر التحملات، وهو ما يجعل فتح تحقيق تقني جاد، في هذه المرحلة بالذات، مطلبا مشروعا للتحقق وليس حكما مسبقا على أي جهة.























