تاكسي نيوز – ك/ك
ليست التنمية حصيلة عدد المشاريع التي يتم تدشينها، ولا تقاس بحجم الأغلفة المالية المرصودة لها، بل بقدرتها على إحداث تحول اقتصادي واجتماعي مستدام، فالمؤشر الحقيقي لأي سياسة عمومية لا يكمن في كثافة التدشينات، وإنما في الأثر الذي تتركه على الاستثمار، والتشغيل، والإنتاج، وعلى قدرة المجال الترابي على خلق الثروة وتحسين جودة الحياة؛
من هذا المنظور، يظل السؤال مطروحا بشأن طبيعة الخيارات التنموية التي توجه المشاريع المنجزة بأقاليم جهة بني ملال خنيفرة، ومدى انسجامها مع التحديات البنيوية التي تواجهها الجهة، فهذه الأخيرة لا تعاني من نقص في الإمكانات الطبيعية أو البشرية، بقدر ما تواجه تحدي تحويل تلك الإمكانات إلى دينامية اقتصادية قادرة على إنتاج القيمة المضافة واستيعاب الطلب المتزايد على الشغل؛
لقد راكمت الجهة، على امتداد سنوات، مؤهلات تجعلها من بين أكثر جهات المملكة قابلية لتحقيق الإقلاع الاقتصادي، فهي تتوفر على موارد مائية مهمة، وأراض فلاحية واسعة، ومؤهلات سياحية وبيئية وجبلية متنوعة، إضافة إلى موقع جغرافي يمنحها إمكانية لعب دور اقتصادي محوري، غير أن المفارقة تكمن في استمرار مؤشرات البطالة والهجرة، وفي محدودية الاستثمارات الكبرى القادرة على إعادة تشكيل النسيج الاقتصادي المحلي؛
ولا يتعلق الأمر هنا بالتقليل من أهمية مشاريع القرب أو البنيات الاجتماعية والرياضية والثقافية، فهذه المرافق تؤدي وظائف مجتمعية لا غنى عنها، وتسهم في تحسين ظروف العيش. غير أن التنمية تصبح محل تساؤل عندما تتحول هذه المشاريع إلى الواجهة الأساسية للفعل العمومي، بينما تظل المشاريع الإنتاجية والاستثمارات الصناعية والسياحية الكبرى أقل حضورا في المشهد التنموي؛
إن الاقتصاد الجهوي لا يقاس بعدد المرافق التي يتم افتتاحها، وإنما بقدرته على الاحتفاظ بشبابه، فحين يصبح البحث عن فرصة عمل دافعا للهجرة نحو المدن الكبرى أو خارج الوطن كما وقع أمس ، فإن ذلك لا يعكس فقط اختلالا في سوق الشغل، بل يطرح أيضا سؤالا حول مدى نجاعة النموذج التنموي على المستوى الترابي، وحول قدرة السياسات العمومية على تحويل مؤهلات الجهة إلى فرص فعلية؛
وفي هذا السياق، تبدو الحاجة ملحة إلى الانتقال من منطق تدبير المشاريع إلى منطق بناء اقتصاد جهوي متكامل، فالتنمية لا تتحقق بتجميع مشاريع متفرقة، بل برؤية استراتيجية تجعل من الاستثمار المنتج محور السياسات العمومية، ومن البنيات التحتية وسيلة لجذب الرساميل، ومن التكوين والتأهيل رافعة لتوفير الكفاءات التي يحتاجها الاقتصاد؛
كما أن الحديث عن التنمية لا يمكن أن ينفصل عن العدالة المجالية، فالمناطق الجبلية والقروية ما تزال تواجه تحديات مرتبطة بالطرق، والخدمات الأساسية، والتعليم، والصحة، وربط الدواوير بشبكات التجهيز، وهي شروط لا تمثل مشاريع استثنائية، بل تشكل الحد الأدنى الذي يفترض أن تستند إليه أي سياسة ترابية تستهدف تقليص الفوارق وتحقيق الإنصاف بين المجالات؛
ومع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية، يكتسب النقاش حول الحصيلة التنموية أهمية مضاعفة، غير أن تقييم الأداء لا ينبغي أن يبنى على حجم الإنفاق أو عدد المشاريع المعلن عنها، بل على مؤشرات أكثر دقة منها حجم الاستثمار الخاص الذي استقر بالجهة، وعدد مناصب الشغل الدائمة التي أحدثت، ومدى تطور النسيج المقاولاتي، ومستوى مساهمة الاقتصاد الجهوي في خلق الثروة وتحسين الدخل؛
فالسياسات العمومية تقاس بنتائجها لا بنواياها، وبأثرها الملموس لا بخطابها، كما أن نجاح أي نموذج تنموي يظل رهينا بقدرته على تحويل الإنفاق العمومي إلى قيمة اقتصادية مستدامة، لا إلى مجرد إنجازات ظرفية تنتهي آثارها بانتهاء لحظة التدشين؛
إن الرهان المطروح اليوم أمام جهة بني ملال خنيفرة يتجاوز إنجاز مشروع هنا أو مرفق هناك، إنه رهان بناء اقتصاد جهوي قادر على المنافسة، واستثمار المؤهلات المتاحة، وجذب الرساميل، وخلق فرص الشغل، وتحويل التنمية من سلسلة تدشينات متفرقة إلى مسار اقتصادي متكامل، يشعر المواطن بثماره في مستوى دخله، واستقرار أسرته، وآفاق أبنائه؛
فالتاريخ التنموي للجهات لا يكتبه عدد المشاريع التي افتتحت، وإنما يكتبه حجم التحولات التي أحدثتها في حياة الناس لاسيما في فرص الشغل لساكنتها وبما يضمن لهم الاستقرار الأسري وحتى لا يتوجه صغيرهم وكبيرهم إلى الهجرة بحثا عن مستقبل زاهر وعن حياة مشرقة.























