تاكسي نيوز
ما إن تفتح أبواب مراكز امتحانات الباكالوريا معلنة نهاية اختبار جديد، حتى يجد عشرات التلاميذ أنفسهم في مواجهة نوع آخر من الامتحان؛ كاميرات وهواتف موجهة نحو وجوههم، وأسئلة متلاحقة تنتظر منهم أجوبة فورية وهم لا يزالون تحت تأثير ساعات من التوتر والضغط النفسي والترقب، وفي أحيان كثيرة، يتم استقاء هذه التصريحات من داخل فضاءات المؤسسات التعليمية أو على أبوابها مباشرة، في لحظات لا يكون فيها التلميذ قد استعاد بعد هدوءه وتركيزه؛
لقد تحولت هذه المشاهد، مع مرور السنوات، إلى طقس موسمي يتكرر دون أن يثير ما يستحقه من نقاش حول أبعاده الأخلاقية والمهنية، فهل من المقبول أن تتحول لحظة انفعالية عابرة يعيشها تلميذ أو تلميذة، قد لا يكون أي منهما قد بلغ سن الرشد بعد، إلى مادة رقمية دائمة التداول على منصات التواصل الاجتماعي؟
المشكلة لا تكمن في مبدأ تغطية امتحانات الباكالوريا أو نقل أجوائها، فذلك جزء من العمل الإعلامي المشروع، الإشكال الحقيقي يكمن في الطريقة التي يتم بها التعامل مع التلاميذ، وكأنهم شخصيات عامة تدرك تمام الإدراك تبعات كل كلمة تنطق بها أمام الكاميرا، والحال أن أغلب هذه التصريحات تكون عفوية، وليدة لحظة انفعال نفسي يختلط فيها التعب بالارتباك والخوف، كما يمتزج فيها الإحساس بالارتياح أو الإحباط بعد اجتياز اختبار مصيري؛
في تلك اللحظات، قد يلجأ بعض التلاميذ إلى السخرية من الامتحان أو إطلاق تعليقات عفوية ومبالغ فيها للتنفيس عن الضغط الذي عاشوه داخل القاعات، غير أن ما يبدو مزحة عابرة في نظر صاحبها قد يتحول، بعد ساعات فقط، إلى مادة للسخرية الجماعية على مواقع التواصل الاجتماعي، أو إلى مقطع مصور يطارده بعد سنوات في مساره الجامعي أو المهني، في زمن لا تنسى فيه الذاكرة الرقمية شيئا؛
والأكثر إثارة للاستغراب أن بعض المنصات لا تكتفي بتسجيل هذه التصريحات، بل تبثها مباشرة إلى الجمهور دون تحرير أو انتقاء أو مراعاة لسن أصحابها أو ظروفهم النفسية، وكأن السباق نحو نسب المشاهدة والتفاعل أصبح، في بعض الحالات، أهم من احترام أبسط قواعد المسؤولية الإعلامية وأخلاقيات المهنة؛
فالقاصر ليس مادة إعلامية مفتوحة للاستغلال، وكونه وافق على الحديث أمام الكاميرا لا يعني بالضرورة أنه يدرك حجم الانتشار الذي قد تحققه تلك المقاطع أو التأثيرات التي قد تتركها على مستقبله، لذلك ينبغي أن تكون حماية التلاميذ أولوية تتقدم على البحث عن الإثارة وصناعة المحتوى السريع؛
ومن حق الرأي العام أن يتابع أجواء الباكالوريا، ومن حق الإعلام أن ينقل نبض الشارع التربوي، لكن من واجبه أيضا أن يحمي الفئات الهشة، وأن يتعامل مع القاصرين بمنطق المصلحة الفضلى لهم، لا بمنطق “الترند” وحصد المشاهدات وأن يعتبرهم أبناءه أو اخوانه، ولهذا بات من الضروري اعتماد ضوابط أكثر صرامة، من قبيل إخفاء وجوه القاصرين، والحصول على الموافقات اللازمة عند الاقتضاء من أولياء الأمور، وانتقاء التصريحات ذات القيمة الإخبارية الحقيقية، مع استبعاد كل ما يمكن أن يتحول إلى أداة للتشهير أو التنمر أو الإساءة؛
لقد نجحت المدرسة في تطوير آليات محاربة الغش داخل قاعات الامتحان، وربما حان الوقت للتفكير أيضا في كيفية حماية التلاميذ خارجها، فليس كل ما يمكن تصويره ونشره يجب أن يصوَّر وينشر، وليس كل تصريح عفوي يصلح لأن يتحول إلى مادة متداولة إلى ما لا نهاية؛
وعندما يتعلق الأمر بمستقبل شباب يوجدون في لحظة هشاشة نفسية وإنسانية، فإن المسؤولية تقتضي تغليب حقهم في الحماية على أي سباق نحو الإثارة أو المشاهدات؛ كما يقتضي ذلك تدخل الهيئات المهنية والنقابية والحقوقية لفتح نقاش حقيقي من أجل معالجة ظاهرة تصوير التلاميذ القاصرين بعد خروجهم من الامتحانات.

