تاكسي نيوز
أعادت الانتخابات الجزئية التي جرت مؤخرا بعدد من الدوائر الانتخابية بالمغرب، من بينها دوائر ترابية بجهة بني ملال خنيفرة، فتح باب التأويلات السياسية، بعدما سارع بعض المتابعين والفاعلين إلى اعتبار نتائجها مؤشرا مباشرا على موازين القوى الحزبية استعدادا للاستحقاقات المقبلة. غير أن قراءة موضوعية لطبيعة هذه الانتخابات وسياقاتها تؤكد أن نتائجها تظل نسبية ومحدودة الدلالة، ولا يمكن البناء عليها لإطلاق أحكام قطعية بشأن “اكتساح” هذا الحزب أو “تراجع” ذاك؛
فالانتخابات الجزئية تختلف، من حيث السياق والرهانات، عن الانتخابات التشريعية أو الجماعية العامة، إذ ترتبط غالبا بملء مقاعد شاغرة داخل دوائر محدودة وفي ظروف محلية خاصة، كما أنها لا تستقطب دائما الاهتمام الشعبي والإعلامي نفسه الذي يرافق الاستحقاقات الوطنية الكبرى. لذلك، فإن نسب المشاركة المسجلة خلالها لا تعكس بالضرورة المزاج السياسي العام، ولا حجم التعبئة الحزبية الحقيقية على المستوى الوطني؛
وفي عدد من المناطق، خاصة بالعالم القروي، لم يكن جزء مهم من الساكنة على علم بإجراء هذه الانتخابات إلا بعد إعلان نتائجها عبر مواقع التواصل الاجتماعي، وهو ما يضعف من قيمة الاعتماد على نسب التصويت أو عدد الأصوات المحصل عليها في بناء تحليلات سياسية واسعة. كما أن الطابع الجزئي لهذه المحطات الانتخابية يجعل التصويت فيها مرتبطا، في كثير من الأحيان، باعتبارات محلية وشخصية وعائلية أكثر من ارتباطه بالاختيارات السياسية أو البرامج الحزبية؛
ومن هذا المنطلق، فإن أي محاولة لتقديم نتائج الانتخابات الجزئية باعتبارها “بروفة” دقيقة للانتخابات المقبلة تبقى قراءة متسرعة تفتقد إلى الأسس العلمية والسياسية الكافية، ذلك أن الاستحقاقات العامة تخضع لمعطيات مختلفة تماما، سواء من حيث حجم المشاركة، أو طبيعة التعبئة، أو الرهانات الوطنية، أو حضور الخطاب السياسي والإعلامي، إضافة إلى تأثير الظرفية الاقتصادية والاجتماعية التي قد تتغير بشكل كبير بين موعد انتخابي وآخر؛
كما أن الحديث عن “اكتساح” حزب معين أو “انهيار” آخر استنادا إلى نتائج جزئية يبقى أقرب إلى الدعاية السياسية منه إلى التحليل الموضوعي، لأن قياس القوة الانتخابية الحقيقية لأي حزب لا يتم عبر دائرة أو دائرتين، وإنما من خلال تراكم مؤشرات متعددة تشمل نسب المشاركة، والانتشار الجغرافي، ومدى قدرة التنظيمات الحزبية على التعبئة في مختلف السياقات؛
وفي المحصلة، تبقى الانتخابات الجزئية محطة سياسية ذات طابع خاص، ونتائجها تظل محدودة الدلالة ولا تصلح وحدها لبناء توقعات دقيقة بشأن استحقاقات شتنبر 2026. أما التحليلات التي تسارع إلى استنتاج تحولات كبرى في الخريطة السياسية اعتمادا على هذه النتائج، فهي تبقى قراءات نسبية تحتاج إلى كثير من التريث والموضوعية قبل تحويلها إلى أحكام نهائية.























