تاكسي نيوز // نقطة نظام
ليس من الإنصاف أن تتحول الحياة السياسية إلى ساحة مفتوحة للتشهير، ولا أن يصبح كل تعثر أو خطأ سابق مبررا لمحاكمة الإنسان إلى ما لا نهاية. فمهما اختلفت المواقف وتباينت الآراء، تظل الكرامة الإنسانية وقرينة البراءة في حدودها القانونية وحق الفرد في استعادة حياته الطبيعية مبادئ لا ينبغي أن تسقط أمام موجات الغضب على مواقع التواصل الاجتماعي.
اليوم، تجد البرلمانية مديحة خيير نفسها في مواجهة موجة واسعة من الانتقادات والهجوم، قبل إعفائها من منصبها الوزاري وبعده. وإذا كان الإعفاء من المسؤولية الحكومية أمرا يدخل في نطاق تدبير الشأن السياسي والحكومي، فإن المطالبة برحيلها عن المؤسسة التشريعية أيضا تطرح سؤالا جوهريا وهو هل أصبح المطلوب من كل مسؤول يغادر الحكومة أن يتخلى تلقائيا عن كل موقع انتخابي حصل عليه بإرادة المواطنين؟ اللهم إن كان هناك تعارض أو حالة تناف فذاك متروك للقضاء الدستوري للبت فيه!
إن مديحة خيير لم تصل إلى البرلمان بقرار إداري، بل عبر صناديق الاقتراع، وحسب المعطيات الرسمية فقد حظيت بثقة أزيد من 21 ألف ناخب وناخبة. وهؤلاء المواطنون صوتوا عليها باعتبارها مرشحة سياسية تمثلهم، ومن حقهم أن تحترم إرادتهم، كما أن من حق الرأي العام أن يناقش أداءها ويحاسبها سياسيا، دون أن يتحول النقد إلى دعوات للإقصاء السياسي أو إلى حملات تستهدف كرامتها الإنسانية.
وخلال تجربتها البرلمانية، برز اسم مديحة خيير في عدد من القضايا المرتبطة بإقليم بني ملال وجهة بني ملال خنيفرة، من خلال إثارة ملفات التنمية والبنية التحتية والعدالة المجالية، والدفاع عن مطالب الساكنة، بما فيها المناطق الجبلية التي ما تزال تواجه تحديات تنموية حقيقية. وقد يختلف الناس حول حصيلة هذه التجربة أو يوجهون إليها انتقادات مشروعة، لكن الإنصاف يقتضي ألا تمحى كل المواقف والمرافعات بمجرد أن يجد صاحبها نفسه في قلب عاصفة سياسية وإعلامية. فهذه المواقف هي التي منحت مديحة 21 ألف صوت وبوأت ابنة الهامش المرتبة الأولى وطنيا .
لسنا هنا بصدد تبرير الأخطاء أو مطالبة أحد بالتخلي عن حقه في النقد والمساءلة، كما لا ندعو إلى منح السياسيين حصانة أخلاقية أو سياسية. بل إننا نؤكد أن المحاسبة يجب أن تكون عادلة ومتوازنة لاسيما بين سياسيي الجهات أو حتى داخل الأحزاب نفسها، وأن تميز بين المسؤولية القانونية التي تفصل فيها المؤسسات المختصة، والمسؤولية السياسية التي يقدرها الناخبون، وبينهما كرامة الإنسان التي لا ينبغي أن تكون مباحة للتجريح والإهانة مهما كان الخلاف او القرار السياسي والاداري.
وإذا كانت هناك قضية سابقة جرت بشأنها متابعة قضائية وصدر فيها حكم، فإن احترام القانون يقتضي احترام ما انتهت إليه المسطرة القضائية، دون إعادة محاكمة الشخص كل يوم ، أو تحويل ماضيه إلى عقوبة اجتماعية مفتوحة لا تنتهي خصوصا وأن قرار استوزارها تم اصلاحه والرجوع عنه. فالمجتمع الذي يؤمن بحق النسبان و بالإصلاح وإعادة الإدماج لا يمكنه أن يطالب بطي صفحات الماضي، ثم يرفض عمليا منح الأفراد فرصة مواصلة حياتهم بعد تحملهم تبعات أخطائهم وفق القانون.
والأكثر إثارة للاستغراب هو أن يتحول النقاش حول مديحة خيير إلى مناسبة لتصفية الحسابات السياسية، في وقت يحتاج فيه المواطنون إلى نقاش جاد حول البرامج والحصيلة والالتزامات الانتخابية. فالسياسة ليست سباقا في التشهير، ولا ينبغي أن تصبح الأخطاء السابقة لبعض السياسيين مادة انتقائية تستحضر ضدهم كل مرة، بينما تتجاهل أخطاء آخرين لمجرد أنهم ينتمون إلى مواقع أو دوائر سياسية أكثر نفوذا بجهات معينة او بحزب معين وكأن الأخطاء أصبحت تعرف تفضيلا بين سياسيي المركز وسياسيي الهامش، أو كما قال أحدهم متسائلا :” هل باقي السياسيين أولياء الله الصالحين؟!.
ومن بني ملال، التي تعرف جيدا معنى التهميش ومطالب العدالة المجالية، نرى أن الإنصاف يقتضي التعامل مع مديحة خيير باعتبارها فاعلة سياسية لها ما لها وعليها ما عليها، لا باعتبارها هدفا مفتوحا لحملة لا تترك مجالا للنقاش الهادئ أو التقييم الموضوعي.
إن احترام إرادة الناخبين لا يعني منع النقد، كما أن الدفاع عن الكرامة الإنسانية لا يعني تبرئة أحد من مسؤولياته. لكن الديمقراطية تفقد معناها حين يصبح التشهير بديلا عن النقاش، والإقصاء بديلا عن المحاسبة، والضغط عبر مواقع التواصل بديلا عن المؤسسات والقانون.
لذلك، نقولها بوضوح ، ارحموا مديحة خيير من الإعدام المعنوي، واحترموا أصوات المواطنين الذين اختاروها، واتركوا للمؤسسات والقانون والناخبين مجالهم الطبيعي. فمن حق الجميع أن ينتقدوا، ومن حق المواطنين أن يحاسبوا، لكن ليس من حق أحد أن يصادر كرامة إنسان أو يحول حياته إلى عقوبة جماعية لا نهاية لها. لأن كرامة الإنسان والحق في النسيان فوق كل اعتبار وبعيدا عن أي تصفية للحسابات السياسية.




