تاكسي نيوز – ك/ك
لم يكن حادث فوزي لقجع، إثر ارتطامه بباب زجاجي وتعرضه لإصابة خفيفة، في حد ذاته حدثًا يستحق كل هذا الجدل، بقدر ما كشفت بعض ردود الفعل التي رافقته عن ظاهرة تتجاوز الشخص والحادث إلى طبيعة الخطاب السياسي والاجتماعي المتداول في الفضاء الرقمي المغربي. فمن حق أي مواطن أن يختلف مع لقجع، وأن ينتقد أداءه في تدبير الشأن الكروي، أو ممارسته لمهامه الحكومية، أو اختياراته وانتماءه السياسي، كما أن من حق الرأي العام مساءلة المسؤولين وانتقاد قراراتهم ومواقفهم بكل صراحة. غير أن تحويل إصابة عرضية إلى مناسبة للسخرية والتشفي يضعنا أمام سؤال يتجاوز حدود الاختلاف السياسي، ليمس طبيعة القيم التي تحكم النقاش العمومي، ومدى قدرتنا على الفصل بين الخصومة السياسية والعداء الشخصي.
فالسياسة، في جوهرها، ليست حالة خصام دائم، ولا ينبغي أن تتحول المنافسة والاختلاف إلى مبرر لإسقاط القواعد الأساسية للنقاش الديمقراطي. والشخصية العمومية، مهما كان موقعها أو حجم الجدل الذي يحيط بها، تظل قابلة للنقد والمساءلة، لكنها لا تفقد بسبب ذلك حقها في الكرامة والحماية من الإساءة. ومن هذه الزاوية، فإن النقد المسؤول يوجه إلى القرار والسياسة والأداء، ويستند إلى الوقائع والحجج، بينما يتحول الخطاب إلى تنمر حين يصبح الغرض منه الإهانة أو التشفي أو الانتقاص من الشخص بدل مناقشة أفعاله ومواقفه. كما أن حرية التعبير، وهي حق أصيل، لا تعني سقوط المسؤولية عن آثار الخطاب، ولا تمنح حصانة مطلقة لكل ما ينشر في المنصات الرقمية.
والأخطر في المشهد أن بعض التفاعلات مع الحادث بدت وكأنها تعكس انتقال الخصومة من المجال السياسي والرياضي إلى مستوى شخصي أكثر حدة، حيث يصبح الضرر الذي يلحق بالخصم موضعا للفرح، بدل أن يكون مناسبة للتضامن الإنساني الطبيعي. ولا يتعلق الأمر هنا بالدفاع عن لقجع كشخصية عامة، ولا بمنحه أي حصانة من النقد، وإنما بالدفاع عن مبدأ يفترض أن يظل قائما بصرف النظر عن هوية الشخص المعني: الاختلاف لا يلغي الإنسانية، والنقد لا يستوجب التشفي، والمعارضة لا تعني تبرير الإساءة. وإذا كانت مواقع التواصل الاجتماعي قد وسعت هامش التعبير وأتاحت تعدد الأصوات، فإنها، في المقابل، كشفت الحاجة إلى وعي أكبر بالمسؤولية الفردية والجماعية في إنتاج الخطاب وتداوله.
لذلك، فإن واقعة لقجع تستحق أن تُقرأ باعتبارها مرآة لنقاش أوسع حول أخلاقيات المجال العام في المغرب، وحول الحدود التي ينبغي أن تفصل بين حرية التعبير وخطاب التنمر والإساءة. فالمطلوب ليس إسكات المنتقدين، ولا تحصين المسؤولين من المحاسبة، وإنما الارتقاء بالنقد إلى مستوى يجعل من الحجة بديلا عن الشتيمة، ومن المساءلة بديلا عن التشفي، ومن الاختلاف وسيلة لتصحيح الاختلالات، لا وقودا للعداء. وفي النهاية، فإن قوة المجتمع لا تقاس فقط بقدرته على محاسبة من يختلف معهم، وإنما أيضا بقدرته على الحفاظ على الحد الأدنى من الاحترام الإنساني عندما يتعرض ذلك الشخص نفسه لواقعة عرضية يمكن أن تصيب أي إنسان، مهما كان موقعه أو مواقفه أو حجم الخلاف حوله.























