تاكسي نيوز – ك/ك
في كرة القدم، لا تروي المباريات وحدها الحكايات، أحيانا يكون الرجل الذي يحمل الصافرة أكثر إثارة من اللاعبين الذين يطاردون الكرة، فخلف كل حكم يبلغ أعلى مستويات المنافسة، سنوات من الاختبارات الصامتة، والقرارات الصعبة، والأخطاء التي تتحول إلى دروس، والنجاحات التي لا يلتفت إليها أحد، لأنها ببساطة تعني أن المباراة سارت كما ينبغي لها أن تسير؛
لهذا، لم يكن اختيار الاتحاد الدولي لكرة القدم للحكم الأمريكي من أصول مغربية إسماعيل الفتح لإدارة نصف نهائي كأس العالم بين إنجلترا والأرجنتين مجرد تعيين عادي ضمن قائمة الحكام، بل محطة جديدة في مسيرة رجل قطع آلاف الكيلومترات، وعبر القارات، قبل أن يجد نفسه في قلب واحدة من أكثر مباريات البطولة حساسية؛
بدأت الحكاية في الدار البيضاء، المدينة التي ولد فيها الفتح، وهناك تشكلت علاقته الأولى بكرة القدم، وفي سن الثامنة عشرة، غادر المغرب نحو الولايات المتحدة بعد حصوله على تأشيرة التنوع، حاملا حقيبة صغيرة و200 دولار فقط. لم يكن المبلغ كافيا لصناعة مستقبل، لكنه كان كافيا ليبدأ رحلة أثبتت لاحقا أن الإرادة تسبق الإمكانات؛
في ولاية تكساس، اختار طريق الدراسة، فنال شهادة في الهندسة الميكانيكية من جامعة أوستن، بينما ظلت كرة القدم حاضرة في تفاصيل حياته، لم يكتب له أن يصنع اسمه لاعبا، لكنه وجد مكانه في موقع لا يقل صعوبة، وهو التحكيم، حيث يكون الحكم مطالبا بأن يكون حاضرا في كل قرار، وغائبا عن الأضواء في الوقت نفسه؛
ومنذ انضمامه إلى الدوري الأمريكي للمحترفين عام 2012، بدا أن مساره يتقدم بثبات، وبعد أربع سنوات فقط، حصل على الشارة الدولية من “فيفا”، لتتوالى بعدها أبرز المحطات في مسيرته، من نهائي كأس العالم لأقل من 20 سنة، إلى الألعاب الأولمبية في طوكيو، ثم نهائيات كأس العالم في قطر، قبل أن يواصل حضوره في أكبر المنافسات القارية والدولية، وصولا إلى نصف نهائي كأس العالم؛
في عالم التحكيم، لا تقاس قيمة الحكم بعدد المباريات التي يديرها، بل بحجم الثقة التي يحظى بها في المواعيد الكبرى، فهذه المباريات لا تبحث عن الحكم الأكثر شهرة، بل عن الأكثر قدرة على فرض القانون، واحتواء الضغوط، وإدارة التفاصيل من دون أن يتحول هو نفسه إلى محور الحدث، ولهذا ظل إسماعيل الفتح ضمن الدائرة الضيقة التي تعتمد عليها “فيفا” في أصعب الاختبارات؛
ومع ذلك، فإن الوجود في هذا المستوى لا يخلو من الجدل، فقد استحضرت وسائل إعلام بريطانية، عقب تعيينه، حقيقة إحصائية تفيد بأن ليونيل ميسي لم يخسر أي مباراة أدارها الفتح مع إنتر ميامي، وفي المقابل، أعادت صحف إسبانية فتح النقاش حول بعض قراراته في مواجهة إسبانيا وأوروغواي، معتبرة أنه منح هامشا واسعا للاحتكاكات البدنية، غير أن هذا الجدل يرافق معظم حكام النخبة، حيث يصبح كل قرار قابلا للتأويل، وكل صافرة موضوعا للنقاش؛
ورغم استقراره في الولايات المتحدة، لم تنقطع صلة الفتح ببلده الأم. فقد استعانت الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم بخبراته لتقييم منظومة التحكيم الوطني والمساهمة في تطويرها، وخلال تلك المهمة، تحدث بالعربية والدارجة المغربية بطلاقة، في مشهد عكس ارتباطه بوطنه الأصلي، قبل أن يضطر إلى إنهاء مهمته والعودة إلى الولايات المتحدة بسبب ظروف عائلية؛
قصة إسماعيل الفتح ليست مجرد سيرة حكم بلغ أعلى درجات النجاح، بل هي قصة مهاجر بنى مساره خطوة بعد أخرى، بعيدا عن الأضواء، حتى أصبح أحد الأسماء التي تحظى بثقة الاتحاد الدولي لكرة القدم. وبين الدار البيضاء وأتلانتا، تختصر المسافة سنوات من الاجتهاد والانضباط والإيمان بأن النجاح لا يقاس بسرعة الوصول، وإنما بالقدرة على مواصلة الطريق مهما تعاظمت التحديات؛
وعندما يطلق إسماعيل الفتح صافرة البداية في واحدة من أكبر مباريات العالم، فلن يكون مجرد حكم يدير تسعين دقيقة، بل سيكون عنوانا لمسيرة بدأت بحقيبة صغيرة و200 دولار، وانتهت بحضور دائم في أكبر مسارح كرة القدم، في قصة تؤكد أن الحدود قد تفصل بين الأوطان، لكنها لا تقف دائما في وجه الطموح.























