في كرة القدم، كما في التاريخ، لا مكان للادعاءات عندما تحين ساعة الحقيقة، وحده الميدان يمتلك سلطة الحكم، ووحدها النتائج تمنح أصحابها حق كتابة المجد، ومن هذا المنطلق، يواصل المنتخب الوطني المغربي تشييد واحدة من أعظم صفحات الكرة الوطنية، بعدما بلغ ربع نهائي كأس العالم بفوز مستحق على المنتخب الكندي بثلاثة أهداف نظيفة، مؤكدا أن ما يحققه ليس ومضة عابرة، ولا استثناء فرضته الظروف، بل ثمرة مشروع رياضي متكامل، بني بالصبر والتخطيط والعمل المتواصل؛
لم يكن كل شيء مثاليا في البداية. فقد بدا المنتخب خلال الشوط الأول بعيدا عن مستواه المعهود، وترك هامشا للتساؤلات حول قدرته على فرض إيقاعه، غير أن المنتخبات الكبيرة لا تقاس بلحظات التردد، وإنما بقدرتها على استعادة زمام المبادرة عندما تشتد الضغوط، وهذا ما فعله الأسود في الشوط الثاني، حيث ظهر وجه آخر للمنتخب، أكثر تماسكا وانسجاما وفعالية، فامتزج الانضباط التكتيكي بالإبداع الفردي، وتحولت السيطرة إلى أهداف، ليؤكد المغرب أنه أصبح يمتلك شخصية المنتخبات الكبرى؛
لكن هذا الإنجاز يتجاوز حدود النتيجة، لأنه يعكس نجاح نموذج كروي متفرد، نموذج يجمع بين أبناء المهجر وأبناء التكوين المحلي في منظومة واحدة، عنوانها الكفاءة والانتماء، فلا فرق بين لاعب نشأ في أكاديمية أوروبية وآخر صقل موهبته في أحياء ومدن المغرب، ما دام الجميع يلتقي تحت راية وطن واحد، ويقاتل من أجل حلم واحد؛
ولعل تألق ياسين بونو وعز الدين أوناحي وسفيان رحيمي يجسد هذه الحقيقة بأوضح صورها، فهم أبناء مدارس كروية مغربية، انطلقت رحلتهم من الملاعب المحلية قبل أن يشقوا طريقهم نحو الاحتراف والتألق، في رسالة تؤكد أن كرة القدم المغربية قادرة على صناعة نجومها من الداخل، تماما كما تستفيد من الكفاءات المغربية المتألقة في مختلف أنحاء العالم؛
لقد نجح المغرب في بناء منتخب لا يعرف الانقسام بين أبناء الداخل وأبناء الخارج، بل يؤمن بأن الهوية الوطنية هي الجامع الأكبر، وأن قيمة اللاعب تقاس بما يقدمه فوق أرضية الملعب، لا بالمكان الذي ولد فيه أو تدرج داخله، وهذه إحدى أهم نقاط قوة المنتخب الوطني المغربي، الذي تحول إلى نموذج في الانسجام والوحدة والتكامل؛
وفي المقابل، جاءت هذه البطولة لتعيد ترتيب كثير من الخطابات التي سبقتها، فهناك من بالغ في الوعود، ورسم سيناريوهات التتويج قبل انطلاق المنافسة، بل وصل الأمر إلى تحديد الخصوم والنتائج والهدافين، قبل أن تكشف الوقائع أن كرة القدم لا تعترف إلا بمن يستحق، وأن الضجيج الإعلامي لا يربح المباريات؛
واليوم، وبعد أن ودعت منتخبات كثيرة المنافسة مبكرا، بينما يواصل المنتخب الوطني المغربي مسيرته بثبات، تبدو الأسئلة أكثر مشروعية من أي وقت مضى. أين ذهبت كل تلك الخطابات التي كانت تقلل من قيمة الإنجاز المغربي؟ وأين اختفت الاتهامات التي كانت تفسر كل نجاح بالكواليس أو التحكيم؟ البطولات العالمية، التي تجرى تحت أنظار العالم، لا تترك مجالا للأعذار، ولا تمنح الامتيازات لأحد. هناك فقط من يفرض نفسه بجودة أدائه، ومن يغادر لأنه لم يكن في مستوى التحدي؛
لقد أصبح المنتخب الوطني المغربي يقدم درسا يتجاوز حدود الرياضة، درسا في قيمة التخطيط، وفي الاستثمار في التكوين، وفي الإيمان بالمشروع، وفي العمل الهادئ الذي لا يحتاج إلى ضجيج كي يثبت نجاحه، وما يتحقق اليوم ليس انتصارا لمجموعة من اللاعبين فقط، بل انتصار لرؤية وطنية أثبتت أن البناء المتدرج أكثر صلابة من الشعارات، وأن الإنجازات الكبرى لا تولد من التصريحات، وإنما من العمل؛
صحيح أن الطريق لا يزال طويلا، وأن التحديات المقبلة ستكون أكثر صعوبة، لكن الأكيد أن المنتخب الوطني المغربي لم يعد ذلك المنتخب الذي يكتفي بالمشاركة المشرفة، لقد أصبح رقما صعبا في معادلة كرة القدم العالمية، ومنافسا يفرض احترامه بما يقدمه داخل المستطيل الأخضر، لا بما يقال عنه خارجه؛
وفي النهاية، تبقى كرة القدم عادلة مع من يحسن إعداد نفسه، قد تتأخر في مكافأة المجتهدين، لكنها لا تحرمهم منها. أما الضجيج، فيتلاشى مع أول صافرة نهاية، بينما تبقى الإنجازات وحدها خالدة في ذاكرة الشعوب؛
وهكذا يواصل المنتخب الوطني المغربي كتابة التاريخ، ويترك للميدان، وحده، الكلمة الأخيرة…

