تاكسي نيوز – أزيلال
يتجدد السؤال المؤلم بإلحاح في إقليم أزيلال: إلى متى ستظل طرقات الجبال مسرحا مفتوحا لحوادث مميتة تحصد أرواح الأبرياء، في ظل استمرار الاعتماد على النقل المزدوج كخيار شبه وحيد لساكنة تعيش الهشاشة والعزلة؟ سؤال لم يعد مجرد انطباع عابر، بل تحول إلى صرخة جماعية تتردد عقب كل فاجعة، دون أن تجد طريقها إلى سياسات تنموية عمومية حاسمة تقطع مع هذا النزيف المتواصل؛
آخر هذه المآسي، ما شهده المستشفى الإقليمي بأزيلال ليلة أول أمس السبت، حيث استقبل 16 مصابا، من بينهم 9 قاصرين، جراء انقلاب سيارة للنقل المزدوج كانت تقلهم على الطريق الرابطة بين مركز أزيلال وشلالات أزود، على مستوى منطقة “تمنايت” التابعة لجماعة “أكودي الخير، حادث يعيد إلى الواجهة مشهدا بات مألوفا بشكل مقلق، عنوانه الرئيسي: وسائل نقل مهترئة، طرق وعرة، ومراقبة غائبة أو متساهلة؛
وقبل أن تخفت صدمة هذا الحادث، لا تزال ذاكرة الإقليم تحتفظ بفاجعة نهاية شهر مارس الماضي، حين أودى انقلاب سيارة مماثلة بحياة شخصين، وإصابة 17 آخرين، بجروح متفاوتة الخطورة، على مستوى الجماعة الترابية “بولخلف” قرب دمنات، وبين الحادثين، تتوالى وقائع مشابهة، تؤكد أن الأمر لم يعد يتعلق بحوادث معزولة، بل بظاهرة بنيوية تستدعي تدخلا عاجلا وشجاعا؛
النقل المزدوج.. حل اضطراري أم قنبلة موقوتة؟
في أعالي جبال أزيلال، حيث تعاني الدواوير من العزلة وندرة وسائل النقل العمومي، يشكل “النقل المزدوج” وسيلة شبه وحيدة للتنقل. غير أن هذا الحل الاضطراري تحول مع مرور الوقت إلى خطر يومي يتهدد حياة المواطنين، خاصة في ظل غياب شروط السلامة، والاكتظاظ، والاستعمال المفرط لمركبات غير مهيأة لنقل هذا العدد من الركاب،
فالواقع الميداني يكشف أن ركوب هذه العربات لم يعد مجرد وسيلة للوصول، بل مقامرة بالحياة، حيث تتحول كل رحلة إلى احتمال مفتوح على الفاجعة، ومع ذلك، يستمر الاعتماد عليها، في غياب بدائل حقيقية تستجيب لحاجيات الساكنة وتراعي خصوصيات المجال الجبلي؛
مسؤوليات متعددة.. وصمت يثير التساؤل
تتجه أصابع الاتهام، في هذا السياق، نحو مختلف المتدخلين في تدبير القطاع، ففعاليات مدنية ومهتمون بالشأن المحلي يطرحون بحدة مسألة دور السلطات الأمنية، سواء الدرك الملكي أو الشرطة، في مراقبة هذا النوع من النقل، متسائلين عن أسباب ما يعتبرونه “تساهلا” مع المخالفات والعربات المهترئة، إلى أن تقع الكارثة؛
كما يضع تكرار الحوادث وتقاربها الزمني الجميع أمام مسؤوليات قانونية وأخلاقية، خصوصا في ظل غياب إجراءات استباقية واضحة للحد من هذه الظاهرة، سواء عبر تشديد المراقبة، أو زجر المخالفين، أو إعادة تنظيم القطاع بشكل جذري؛
مفارقات التدبير.. دعم بلا أثر مقابل نزيف مستمر
في مقابل هذا الواقع القاتم، تبرز مفارقة لافتة، تتمثل في استمرار توجيه الدعم العمومي لبعض الجمعيات المحظوظة، دون أن يكون لذلك أثر ملموس في التوعية بمخاطر النقل غير المهيكل، أو المساهمة في الحد من حوادث السير القاتلة. وهو ما يطرح تساؤلات حول أولويات التدبير المحلي، ومدى نجاعة صرف الموارد في مواجهة قضايا تمس بشكل مباشر بسلامة المواطنين؛
تنمية مؤجلة ومآسي متكررة
وسط هذه الاختلالات، تبدو ساكنة أزيلال وكأنها عالقة بين خيارين أحلاهما مر: إما العزلة، أو المخاطرة بالحياة عبر وسائل نقل غير آمنة، في الوقت الذي يفترض أن تتجه فيه الجهود نحو فك العزلة وتحقيق تنمية مندمجة، يجد المواطن نفسه أمام واقع مغاير، عنوانه تكرار الحوادث، مقابل حضور لافت لأنشطة موسمية ومهرجانات، لا تعالج جوهر الإشكال؛
أي أفق للحل؟
أمام هذا الوضع، يطفو سؤال جوهري: هل ستبادر السلطات الإقليمية، وعلى رأسها عامل إقليم أزيلال الذي يبقى الأمل معقود عليه نظرا لتدخلاته لصالح الساكنة، إلى جانب الهيئات المنتخبة محليا وإقليميا وجهويا على رأسها عادل براكات رئيس الجهة وابن جبال أزيلال، إلى بلورة استراتيجية شاملة لإصلاح قطاع النقل، تراعي خصوصيات المناطق الجبلية، وتضع سلامة المواطنين في صلب الأولويات؟
أم أن ساكنة الجبل ستظل مطالبة بالتعايش القسري مع هذا “القدر”، في انتظار فاجعة جديدة، تليها بيانات رسمية وإحصائيات باردة تعدد الضحايا، دون أن توقف هذا النزيف؟
وبين هذا وذاك، يبقى المؤكد أن الزمن لم يعد يسمح بالمزيد من التأجيل، وأن إنقاذ الأرواح يبدأ بقرار جريء: هيكلة حقيقية لقطاع النقل، قبل أن تتحول طرق أزيلال إلى سجل مفتوح لفواجع لا تنتهي.























