تاكسي نيوز // مراسلة خاصة
بمناسبة اليوم العالمي للمرأة، لا يسعنا إلا أن نستحضر بكل فخر واعتزاز مسار امرأة مغربية استثنائية، امرأة كتبت اسمها بحروف من العطاء في سجل العمل المهني والجمعوي بالأطلس المتوسط.
إنها الحاجة يامنة مورشيد عقاوي، واحدة من تلك النساء اللواتي لم يكن حضورهن عابرا في زمنهن، بل تركن أثرا عميقا في ذاكرة المكان والزمان والإنسان.
لقد كرست هذه المرأة عقودا من عمرها لخدمة الصناعة التقليدية والدفاع عن قضايا الحرفيين، وجعلت من عملها رسالة ومن عطائها جسرا للتنمية المحلية. فكانت صوتا صادقا للحرفي، وسندا للمرأة القروية، ووجها مشرفا لامرأة مغربية آمنت بأن خدمة المجتمع ليست مسؤولية عابرة، بل التزاما إنسانيا يمتد عبر السنين.
إن استحضار مسار الحاجة يامنة مورشيد في هذا اليوم ليس مجرد وقفة احتفاء بامرأة متميزة، بل هو أيضا تكريم لقصة كفاح وإيمان وإرادة، لقصة امرأة اختارت أن تجعل من عملها طريقا لخدمة الناس، ومن حضورها قوة تدافع بها عن التراث والهوية والذاكرة والتنمية في قلب الأطلس المتوسط.
وتنحدر هذه المرأة من بيئة أمازيغية أصيلة في جبال إقليم خنيفرة، حيث تشكل وعيها الأول في حضن الطبيعة القاسية والإنسان الأصيل، وتربت على قيم الصبر والعمل والاعتماد على الذات. وفي زمن كان فيه حضور المرأة في الفضاء العام محدودا ومحاطا بكثير من القيود الاجتماعية والثقافية، استطاعت بإرادة صلبة وعزيمة لا تلين أن تتجاوز تلك التحديات، وأن تشق طريقها بثبات نحو مواقع المسؤولية والتأثير، لتصبح واحدة من الوجوه النسائية التي صنعت لنفسها مكانة خاصة في ذاكرة العمل المهني بالمنطقة.
وقد حققت سابقة تاريخية سنة 1993 حين انتُخبت رئيسة لغرفة الصناعة التقليدية بخنيفرة وميدلت، لتكون أول امرأة تترأس غرفة للصناعة التقليدية في المغرب العربي، في وقت كان هذا المجال يكاد يكون حكرا على الرجال. وقد شكل هذا الحدث لحظة مفصلية في مسار حضور المرأة داخل المؤسسات المهنية، إذ أثبتت الحاجة يامنة بكفاءتها وقدرتها على التدبير أن المرأة قادرة على القيادة وصناعة القرار وتحمل المسؤولية في أصعب الظروف.
ومنذ افتتاح الغرفة سنة 1993 بمدينة خنيفرة، ظلت الحاجة يامنة مورشيد في قلب العمل المهني، حيث قادت هذه المؤسسة لأكثر من عقدين من الزمن، ولا تزال إلى اليوم من الشخصيات الأساسية التي تضطلع بمسؤوليات داخل الغرفة الجهوية للصناعة التقليدية ببني ملال، مواصلة الدفاع عن قضايا الحرفيين والعمل على تطوير القطاع وصون مكانته الاقتصادية والثقافية.
وخلال هذه المسيرة الطويلة، أشرفت على العديد من المبادرات التنموية التي ساهمت في إنعاش الصناعة التقليدية بالأطلس المتوسط، من خلال تنظيم المعارض الجهوية والوطنية والمهرجانات المتخصصة، وتشجيع مشاركة الحرفيين في التظاهرات الاقتصادية والثقافية. كما أولت اهتماما خاصا لتكوين النساء القرويات وتأهيلهن في نسيج الزربية الزيانية، بما يتيح لهن الاندماج في سوق الشغل وتحقيق الاستقلال الذاتي، في مبادرات جمعت بين الحفاظ على التراث وصون الذاكرة، وفتح آفاق التنمية الاجتماعية.
و تقلدت عدة مسؤوليات مهنية على المستوى الوطني، من بينها نائبة رئيس جامعة غرف الصناعة التقليدية بالمغرب، حيث ساهمت في تعزيز التنسيق بين الفاعلين في القطاع، والدفاع عن مصالح الحرفيين والعمل على تطوير آليات دعم الصناعة التقليدية باعتبارها ركيزة من ركائز الاقتصاد المحلي وحافظة أساسية للتراث الثقافي المغربي.
وعلى المستوى السياسي المحلي، كان للحاجة يامنة مورشيد حضور فاعل في تدبير الشأن المحلي، حيث شغلت منصب نائبة رئيس المجلس البلدي لمدينة مريرت، كما تولت مهمة كاتبة المجلس البلدي لسنوات عدة، وساهمت من خلال هذه المسؤوليات في مواكبة مشاريع التنمية المحلية وخدمة الساكنة والدفاع عن قضايا المنطقة.
وإلى جانب العمل المهني والسياسي، تميزت مسيرتها بحضور قوي في المجال الجمعوي والإنساني. فقد ساهمت في تأسيس وتأطير عدد من الجمعيات والتعاونيات الحرفية الهادفة إلى تنظيم عمل الحرفيين ودعمهم، كما واصلت عطاءها الاجتماعي من خلال انخراطها في مبادرات خيرية وتنموية متعددة. وتشغل الحاجة يامنة مورشيد منصب نائبة رئيس الجمعية الخيرية الإسلامية، كما تترأس فرع جمعية أحمد الحنصالي للتنمية على مستوى إقليم خنيفرة، وهي الجمعية الوحيدة ذات المنفعة العامة بالجهة.
وقد امتد نشاطها أيضا إلى المستوى الدولي، حيث مثلت المغرب في عدد من المعارض والملتقيات الدولية الخاصة بالصناعة التقليدية، وساهمت في التعريف بغنى التراث الحرفي المغربي وتنوعه، وكانت خير سفيرة للصانع التقليدي المغربي في المحافل الدولية.
وتقديرا لمسيرتها المهنية الطويلة وعطائها المتواصل، حظيت الحاجة يامنة مورشيد بتوشيح بوسام ملكي سُلم لها من طرف وزير الصناعة التقليدية يوم 8 مارس بمناسبة اليوم العالمي للمرأة، اعترافا بما قدمته من خدمات جليلة للصناعة التقليدية ولمسار مهني امتد لأكثر من عشرين سنة من العمل المتواصل.
كما ساهمت في تعزيز التعاون الأكاديمي من خلال عقد شراكة مع كلية الآداب والعلوم الإنسانية ببني ملال، تهدف إلى تبادل الخبرات في مجالات التراث والتنمية المحلية والجهوية، بما يعزز مكانة الصناعة التقليدية كرافعة ثقافية واقتصادية في المنطقة.
وقد عرفت الحاجة يامنة مورشيد بين الحرفيين وساكنة المنطقة بإنسانيتها الكبيرة وقربها من الناس، حتى صار الكثير منهم يعتبرونها أما لهم بما عرف عنها من طيبة وكرم ومبادرات خيرية، إذ لم تتردد يوما في تقديم المساعدة كلما طلب منها ذلك.
ولهذا استحقت عن جدارة لقب “المرأة الحديدية للأطلس المتوسط”، ليس فقط لطول تجربتها في مواقع المسؤولية، بل لما عرفت به من صلابة في الدفاع عن قضايا الحرفيين، وإيمان راسخ بخدمة الصالح العام بروح وطنية عالية.
إن مسيرة الحاجة يامنة مورشيد ليست مجرد حكاية نجاح فردي، بل هي فصل مضيء من ذاكرة المرأة المغربية، وقصة امرأة آمنت بقدرتها على التغيير فغيرت بصدق وإصرار واقعا كاملا من حولها. لقد استطاعت أن تجمع بين دفء الأمومة، وصلابة القيادة، ونبل العمل الجمعوي، لتبرهن أن المرأة حين تؤمن برسالتها قادرة على أن تفتح دروبا جديدة للأمل والعمل والعطاء.
إنها ليست فقط سيدة بصمت تاريخ الصناعة التقليدية بالأطلس المتوسط، بل رمز لامرأة مغربية جعلت من الإرادة طريقا، ومن خدمة المجتمع رسالة، ومن الدفاع عن التراث قضية حياة. ولهذا سيظل اسم الحاجة يامنة مورشيد محفورا في ذاكرة الحرفيين ووجدان المنطقة، لا بوصفها مسؤولة فحسب، بل باعتبارها امرأة صنعت أثرا باقيا، وأضاءت دربا للأجيال القادمة، لتبقى قصتها شاهدا حيا على أن المرأة حين تعانق الحلم بصدق، تستطيع أن تكتب التاريخ بيديها.























