عبد الكريم جلال
في سياق التحولات العميقة التي تعرفها المنظومة الصحية الوطنية، وفي انسجام تام مع ورش تعميم الحماية الاجتماعية وإعادة هيكلة العرض الصحي وفق مقاربة ترتكز على النجاعة والجودة والعدالة المجالية، تشهد جهة بني ملال خنيفرة تنزيل مشروع استراتيجي طموح يهدف إلى تعزيز القطاع الصحي بالموارد البشرية المؤهلة، باعتبارها الركيزة الأساس لأي إصلاح مستدام.
لقد جاء هذا المشروع استجابةً لحاجة ملحة تعاني منها الجهة، ولاسيما بالمناطق القروية والجبلية التي ظل فيها الخصاص البنيوي في الأطر الطبية والتمريضية عائقا حقيقيا أمام ضمان استمرارية الخدمات الصحية وجودتها. وهو ما استدعى تعبئة جماعية للفاعلين الترابيين والمؤسساتيين ضمن اتفاقية شراكة متعددة الأطراف، شكلت إطارا تعاقديا واضحا لتجاوز هذا التحدي الهيكلي.
ويندرج هذا الورش ضمن رؤية إصلاحية تجعل من الرأسمال البشري الصحي محورا مركزيا في إعادة بناء الثقة في المرفق العمومي. فالبنيات التحتية والتجهيزات، على أهميتها، تبقى محدودة الأثر دون كفاءات مؤهلة قادرة على ضمان الاستمرارية، وتحقيق الجودة، وترسيخ علاقة إنسانية راقية بين مقدم الخدمة الصحية والمستفيد منها.
وقد ترجم هذا التوجه على المستوى الجهوي من خلال مبادرة مؤسساتية مشتركة جمعت والي الجهة، ورئيس مجلس جهة بني ملال خنيفرة، والمديرية الجهوية للصحة والحماية الاجتماعية، والوكالة الوطنية لإنعاش التشغيل والكفاءات، وجمعية أحمد الحنصالي للتنمية بجهة بني ملال خنيفرة، بهدف تعبئة الموارد المالية والمؤسساتية لدعم قطاع حيوي يمس الحياة اليومية للمواطنين.
وقد تمخض عن هذه المبادرة توقيع اتفاقية الشراكة المبرمة بين الشركاء المذكورين، والتي صودق عليها سنة 2020 لمدة خمس سنوات قابلة للتجديد، قبل أن يتم تجديدها سنة 2025 خلال اجتماع لجنة التتبع المنعقد بتاريخ 14 ماي 2025، في دلالة واضحة على الثقة المتبادلة بين الأطراف ونجاعة الآليات المعتمدة.
وقد مكنت هذه الاتفاقية من إدماج 125 ممرضة وممرضا و25 طبيبا تم توزيعها بالتساوي على مراكز صحية بالوسط القروي بالأقاليم الخمس، عقب مسار انتقاء دقيق ومواكبة وتكوين مستمر، أشرفت عليه الجمعية بشراكة مع باقي المتدخلين. وتجسد هذه المبادرة نموذجا ناجحا للتكامل بين الفاعلين المؤسساتيين والمجتمع المدني، من أجل تحسين عرض العلاجات، وتقريب الخدمات الصحية من المواطنات والمواطنين، ودعم الإدماج المهني للشباب.
وتقوم هذه الشراكة على توزيع محكم للأدوار يضمن الانسجام والتكامل ويعزز مبادئ الحكامة الجيدة، بما يحد من أي تداخل في المسؤوليات ويكرس نموذجا عمليا للتعاون المؤسساتي في خدمة مرفق عمومي أساسي.
ويروم المشروع إحداث تحول ملموس في العرض الصحي الجهوي من خلال:
• سد الخصاص في الأطر الطبية والتمريضية بالمناطق القروية والجبلية.
• ضمان استمرارية الخدمات الصحية بالمراكز التي كانت تعرف انقطاعات متكررة.
• إعادة فتح عدد من المرافق الصحية وتعزيز انتظام الخدمات بها.
• إدماج الأطر الشابة، خاصة المنحدرة من الجهة، في سوق الشغل الصحي.
كما تم اعتماد نظام تحفيزي يهدف إلى الرفع من مردودية الأطر المتعاقدة وتعزيز قدر من الاستقرار المهني، بما ينعكس إيجاباً على جودة الأداء ومستوى الخدمات المقدمة.
ويعد مجلس جهة بني ملال خنيفرة حاملا ماليا أساسيا لهذه المبادرة، إذ خصص غلافا ماليا قدره أكثر من 10 ملايين درهم لتغطية أجور الأطر الطبية والتمريضية والمستحقات الاجتماعية المرتبطة بها، إضافة إلى مصاريف التسيير الخاصة بالجمعية. وقد مكن هذا التمويل من الانتقال من مرحلة التخطيط إلى التنفيذ الميداني، وتحويل الرؤية الإستراتيجية إلى تدخلات ملموسة، خاصة في المناطق التي عانت لسنوات من خصاص مزمن في الموارد البشرية الصحية.
وفي المقابل، تضطلع المديرية الجهوية للصحة والحماية الاجتماعية بدور التأطير والمواكبة التقنية وتتبع أداء الأطر الصحية، وضمان انسجام تدخلاتهم مع حاجيات المنظومة الصحية الجهوية. أما الوكالة الوطنية لإنعاش التشغيل والكفاءات فتتكفل بمساطر الانتقاء وفق معايير الشفافية وتكافؤ الفرص، في حين تضطلع جمعية أحمد الحنصالي للتنمية بمهام التنسيق الإداري والتتبع اليومي لتنفيذ التزامات الأطراف المتعاقدة والسهر على التدبير الإداري اليومي لهذه الأطر الطبية والتمريضية.
وفي إطار تتبع هذا الورش، انعقد يوم الاثنين 16 فبراير 2026 اجتماع لجنة التتبع بحضور ممثلي الشركاء الأربعة ومناديب وزارة الصحة بالأقاليم الخمس، لتقييم عملية التحاق الأطر الجديدة بمناصب عملها، ورصد الإكراهات الميدانية المحتملة، وضمان استمرارية الخدمات وفق الأهداف المسطرة.
ولا يمثل هذا المشروع تدخلا ظرفيا لمعالجة خصاص آني، بل يعكس تجربة مؤسساتية متكاملة تؤكد الوعي الجماعي بأهمية الاستثمار في الرأسمال البشري الصحي كمدخل أساسي للتنمية المستدامة.
فقد أسهم هذا الورش في:
• تعزيز العرض الصحي العمومي.
• إعادة الدينامية لعدد من المراكز الصحية.
• خلق فرص شغل لفائدة الأطر الشابة.
• ترسيخ نموذج متقدم للحكامة التشاركية الجهوية.
ومن المنتظر أن يشكل هذا التعاون أرضية صلبة لإطلاق مبادرات جديدة تعزز التنمية الصحية بالجهة، وتكرس العدالة المجالية في الولوج إلى الخدمات الأساسية.
وفي ظل هذه الدينامية المتواصلة، يتأكد أن الاستثمار في الإنسان يظل الخيار الأنجع لبناء منظومة صحية عادلة وفعالة، قادرة على الاستجابة لتطلعات ساكنة جهة بني ملال–خنيفرة، ومواكبة طموحات الإصلاح الوطني الشامل.























