دفـــاعـــا عــن كــورونــا المُتَّهمة …  في مواجهة المنظومة الصحية المُشتكية! (مُحاكمة)

آخر تحديث : الأحد 20 ديسمبر 2020 - 7:12 مساءً
دفـــاعـــا عــن كــورونــا المُتَّهمة …  في مواجهة المنظومة الصحية المُشتكية! (مُحاكمة)
ذ.مروان اغرباوي / محام

البريد الالكتروني : avocat.maro.agh@gmail.com

       سيداتي، سادتي،

       أتولى مُـؤازرة الـظـنـيـنـة الـمـسـمـاة “كوفيد 19 ـ كورونا” و ذلك دفاعا عنها أمام الشكايات الموجهة ضدها من طرف المنظومة الصحية.

        لا يختلف اثنان على أن كورونا ليست سببا في ما آلت إليه منظومة الصحة في المغرب من وضع كارثي على مختلف الأصعدة، بل بالعكس تماما فهي كانت سببا مباشرا في “تحـسـيـن العرض الصحي” ـ حسب تصريحات مسؤولي الحكـومة ـ و تسليط الضوء على الاختلالات البنيوية والأخلاقية التي يعرفها قطاع الصحة بالبلاد.

 ذلك أن تفشي فيروس كورونا كان له الفضل في المجهودات التي أدت إلى الرفع من عدد أسِرَة الإنعاش التي وصلت ـ حسب تصريح مسؤولي الحكومة دائما ـ إلى 1800 سرير على المستوى الوطني بالإضافة إلى تجهيز مختلف المستشفيات بالأوكسجين ومواد التعقيم و التنظيف إلى غير ذلك من الضروريات والأجهزة التي تتطلبها كل مُنشأة يمكن أن نُطلق عليها اسم “مستشفى”.

        إن كورونا لم تقم سوى بفضح الاختلالات البنيوية والأخلاقية العميقة التي تعرفها المنظومة الصحية الوطنية من خلال النقص الحاد في الموارد البشرية بالمستشفيات العمومية و غياب التجهيزات الضرورية و قلة النظافة و غياب النظام و تفشي الرشوة و طغيان ظواهر “باك صاحبي” و “مول الصح يزيد” و الدور “الغريب” الذي يحظى به حراس الأمن في أبواب المستشفيات والذي يبدأ من الاستشارات و التوجيه وصولا إلى الابتزاز و التوسط  لتسهيل الحصول على “خَدَمَات طبية” مقابل “الخضرا” أو “القرفية” ، بمعنى أن هؤلاء يقومون بكل شيء إلا ضمان الأمن.

       إن كورونا لم تقم سوى بتعرية الواقع المزري الذي تعرفه المنظومة الصحية الوطنية، حيث أنها سلطت الضوء مجددا على جشع جزء مهم من المصحات الخاصة التي تخرق القانون يوميا من خلال ممارسات تدخل تحت طائلة القانون الجنائي و مُعاقب عليها بعقوبات سالبة للحرية و غرامات من قبيل الابتزاز و اشتراط شيك الضمان (الفصل 544 من القانون الجنائي) و الامتناع عن تقديم المساعدة لشخص في حالة خطر الفصل 431 من القانون الجنائي)، ناهيك على مخالفات يمنعها القانون 131.13 المنظم لمهنة الطب لاسيما المادة 75 منه و ذلك من قبيل عدم الإعلان بأماكن الاستقبال عن أسعار الخدمات الطبية وأتعاب المهنيين و كذا الامتناع عن تقديم الفواتير، و تشغيل “الأطباء” و مختلف العاملين بالمنظومة الصحية المنتمين للقطاع العمومي دون احترام الضوابط القانونية، و هي كلها أفعال يمنعها وجوبا و بشكل صريح القانون المذكور.

       إن كورونا كان لها الفضل في تفعيل وزارة الصحة أخيرا للقانون من خلال فرض التحاق بعض “السلايتية” من المنتسبين لمهنة الطب المشتغلين في مستشفيات القطاع العام بمقرات عملهم بعدما اعتادوا على شغلها لأسبوع و تركها لأسابيع دون حسيب ولا رقيب من أجل الاشتغال بالمصحات الخاصة دون السماح طبعا  في أجرهم اللذين يتحصلون عليه من أموال دافعي الضرائب كل شهـر، غير أنه و مع الأسف و بمجرد إعلان الرفع التدريجي للحجر الصحي بدأت تعود الأمور لسابق عهدها حيث يترك هؤلاء “السلايتية” مقرات عملهم بالقطاع العام في المستشفيات و المراكز الصحية العمومية خاصة في المناطق الجنوبية للبلاد و يشتغلون خارج القانون في المصحات الخاصة بالمدن الكبيرة بالمركز، و سنوضح لماذا هم خارج القانون و لماذا يُعتبرون خارقين للقانون طولا و عرضا.

أولا، لا بد من الإشارة إلى القانون رقم 131.13 الصادر بتاريخ  19 فبراير 2015 والمتعلق بمزاولة مهنة الطب ينص صراحة من خلال المادة 3 منه على أن مهنة الطب “ تُزاول إما في القطاع الخاص طبقا لأحكام هذا القانون، وإما في القطاع العام بالمرافق التابعة للدولة أو الجماعات الترابية أو المؤسسات العمومية وفق أحكام هذا القانون والقوانين والأنظمة الخاصة بها”، بمعنى أنه لا يمكن مبدئيا الاشتغال في القطاعين العام و الخاص في آن واحد.

ثانيا، اعتبر المشرع من خلال المادة 108 من نفس القانون و بشكل صريح وواضح على أنه : ” يُعتبر مُزاولا لمهنة الطب بوجه غير قانوني :.. كل طبيب يزاول أعمال المهنة  في قطاع غير القطاع الذي قُيِدَ برسمه في جدول الهيئة دون أن يطلب تحيين تقييده في الجدول المذكور مع مراعاة الاستثناءات المنصوص عليها في هذا القانون.

كما حدد العقوبة المقررة لهذا الخرق في غرامة مالية من 5.000 درهم إلى 50.000 درهم مع إمكانية تقرير المحكمة علاوة على ذلك منع المحكوم عليه من مزاولة مهنة الطب لمدة لا تزيد عن سنتين، تطبيقا لمقتضيات المادة 110 من القانون المذكور.

ثالثا، و استنادا دائما للقانون المنظم لمهنة الطب، فإن المشرع فرض على المصحات الخاصة و الأطباء اللذين يشتغلون فيها مجموعة من الضوابط القانونية التي تنظم التعاقد بين الطرفين، حيث تنص المادة 104 من القانون 131.13 على ما يلي : ” يجب، تحت طائلة البطلان، أن تحمل العقود المبرمة بين الأطباء أو بين طبيب ومصحة تأشيرة رئيس المجلس الوطني الذي يتأكد من مطابقة بنود هذه العقود لأحكام هذا  القانون و النصوص المتخذة لتطبيقه و كذا قواعد مدونة الأخلاقيات. و تطبق عقوبة تأديبية على أطراف العقد في حالة تنفيذه قبل تأشيرة المجلس الوطني”، بمعنى أن القانون يفرض وجوبا ـ من خلال استعمال عبارة “يجب” ـ إبرام عقد مكتوب بين المصحة الخاصة والطبيب المُزاول بها وأن العقد المذكور يحمل تأشيرة المجلس الوطني الذي يراقب مدى احترام التعاقد للشروط القانونية لا سيما التقييد بالجدول و القطاع المنتمي له الطبيب المعني و تخصصه إلى غير ذلك، بل إن المشرع اعتبر العقد الذي يحترم هذه الضوابط عقدا باطلا بقوة القانون، أي أن ممارسة الطبيب داخل المصحة دون احترام هذه الضوابط يجعله مُزاولا لمهنة الطب بوجه غير قانوني، و بالتالي تكون المصحة الخاصة و الطبيب المعني معرضين لعقوبات تأديبية و جنائية.

كذلك، يفرض القانون وجوبا على المصحات الخاصة من خلال الفقرة 1 من المادة 75 من القانون 131.13  وتحت مسؤولية المدير الطبي، “إعلان قائمة الممارسين داخلها بصفة دائمة أو عرضية، و تخصصاتهم في واجهات المصحة وفي أماكن الاستقبال”، و هذا الأمر كذلك نادر على المستوى العملي إذ تكتفي المصحة الخاصة بإعلان قائمة عدد قليل من الممارسين بها الذين يتوفرون على عقود و أغلبهم مساهمين أو مشاركين في المصحة المذكورة، في حين يشتغل الأطباء الآخرون “في النوار” نظرا لأنهم ينتمون للقطاع العام و يشتغلون بدون عقود مع المصحة الخاصة و هم في الحقيقة متغيبون عن مقرات عملهم بالمستشفيات العمومية خاصة في المناطق الجنوبية للمملكة و بالمناطق الجبلية، إما بدون مبرر أو بشواهد طبية تحصلوا عليها على سبيل المُجاملة، و من منكم لا يعرف من قريب أو من بعيد “طبيبا” ينتمي للقطاع العام مُعين بمستشفى عمومي في مدينة ما، و في نفس الوقت يشتغل خارج القانون بشكل متقطع مع مصحات خاصة في أحد مدن المركز ؟ لـــكــــن، عقاب هؤلاء الخارجين عن القانون لن يتأتى إلا بتفعيل جهاز التفتيش الذي منحه القانون 131.13 لوزارة الصحة من خلال المادة 89 التي تنص بشكل صريح على ما يلي : ” تخضع المصحات كلما دعت الضرورة إلى ذلك وعلى الأقل مرة واحدة في السنة، لعمليات تفتيش دورية دون سابق إشعار، تقوم به لجنة تتألف من ممثلين عن السلطة الحكومية المختصة محلفين طبقا للتشريع الجاري به العمل وحاملين أمرا بمهمة مسلم من قبل السلطة المذكورة وممثل عن المجلس الجهوي للهيئة المعني.

يهدف التفتيش إلى التحقق من احترام المصحة للشروط المطبقة على استغلالها بموجب النصوص التشريعية والتنظيمية الجاري بها العمل، و من أن المصحة تعمل على التطبيق الجيد للقواعد المهنية المعمول بها

لهذا الغرض، يؤهل أعضاء لجنة التفتيش لولوج جميع محال المصحة و كذا غلى جميع المعداث الثابتة والمتحركة الموجودة بها، ويمكنهم طلب جميع الوثائق الضرورية لقيامهم بمهتهم كيفما كانت الدعامة التي سجلت عليها وعند الاقتضاء أخذ نسخ منها، ويجوز لهم أيضا عند الضرورة التقاط الصور”.

و بطبيعة الحال، لا يمكن تصور عدم اكتشاف جهاز التفتيش الوزاري للخروقات الكثيرة و الظاهرة التي تُميز يوميات المصحات الخاصة بالمغرب إذ يكفي مثلا التحقق من عدم مطابقة المداخيل المصرح بها من طرف المصحة الخاصة مع واقع الأرباح الظاهـرة التي تعيشها هذه المصحة، كما أنه ليس من الصعوبة بمكان اكتشاف شيكات الضمان بإدارة المصحة لا سيما أن القانون يمنح لجهاز التفتيش بالقيام بمهامه دون سابق إشعار، كما أنه من غير المعقول أن نتصور عدم قيام جهاز التفتيش باكتشاف “أطباء النوار” أو “السلايتية” الذين يشتغلون خارج القانون بالمصحات الخاصة و الحال أن مقرا عملهم تتواجد بالمراكز الصحية العمومية بالمناطق النائية بالمغرب، إلى غير ذلك من الخروقات الظاهرة للمواطن العادي بمجرد ولوجه المصحة الخاصة فما بالك بجهاز تفتيش له من الإمكانيات المادية و الصلاحيات القانونية ما يكفي لضبط هذه الخروقات.

كذلك، يجب عدم إغفال الدور المهم للمواطن الذي يتعامل مع هذه المصحات الخاصة و ذلك من أجل التبليغ عن الخروقات و الجرائم التي ترتكبها بشكل يومي، بحيث يتعين التمسك بالقانون في مواجهتهم وطلب الفواتير و عدم أداء المبالغ “في النوار” و التبليغ عن الابتزاز و شيك الضمان إلى النيابة العامة التي تدخل في دائرة نفوذها المصحة الخاصة المعنية من أجل ضبط المخالفين في حالة تلبس، و كذا اللجوء إلى المفوضين القضائيين لإثبات هذه الخروقات ومعاينتها إلى غير ذلك من الإجراءات الكفيلة بدفع المصحات الخاصة المعنية للالتزام بالضوابط القانونية و معاقبة المخالفين من “أطباء النوار” أو “السلايتية” الذين يتقاضون أجورهم من أموال دافعي الضرائب و يشتغلون بالمصحات الخاصة خارج القانون.

إذن و أمام ما تم بسطه أعلاه، يظهر جليا أن كورونا “المتهمة” كان لها الفضل في إثارة النقاش حول الإشكاليات البنيوية و الأخلاقية العميقة التي تعرفها المنظومة الصحية “المشتكية”، و بالتالي وجب التصريح ببراءة “كورونا” من المنسوب إليها مع حفظ حقها في طلب التعويض المستحق لها عن تحسين العرض الصحي للمنظومة الصحية الوطنية بإقرار وزير الصحة نفسه الذي لا يفوت فرصة إعلامية لاستعراض ارتفاع أعداد أَسِرَة الإنعاش و تزويد المستشفيات بالأوكسجين و إنشاء مستشفيات ميدانية متطورة و الرفع من ميزانية قطاع الصحة من خلال قانون المالية لسنة 2021 إلى غير ذلك من المنجزات، و التي يرجع الفضل فيها لكورونا “المتهمة”. و لكم واسع النظر.

Share Button
2020-12-20 2020-12-20
أترك تعليقك
0 تعليق
*الاسم
*البريد الالكترونى
الحقول المطلوبة*

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

حليمة